تحت هذا العنوان انعقدت علي مدار يومين الندوة التي نظمها
منتدي حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية ونسقت
أعمالها السيدة سميرة لوقا، شارك في أعمال الندوة ما يقارب
مائة مثقف ومثقفة ودارت حوارات غنية بينهم واتفق الجميع
علي التشخيص حين وضعوا الأسباب الاجتماعية - الاقتصادية من
زاوية انتشار البطالة والفقر واليأس بين الشباب في المقام
الأول جنبا إلي جنب القمع والاستبداد والتعذيب في السجون
وإهدار الشرطة لآدمية المواطنين بسبب الطوارئ وكان هناك ما
يشابه الإجماع حول احتمال أن تكون الطريقة التي تعامل بها
الأمن مع مواطني العريش بعد تفجيرات طابا في أكتوبر الماضي
من حيث تعذيبهم وإهدار كرامتهم علي نطاق واسع أن تكون هي
الدافع الرئيسي للقائمين بالعملية الإجرامية في شرم الشيخ.
ولكن عندما وصل النقاش إلي قضية الثقافة والمنابع الفكرية
لعمليات الإرهاب، والطريقة التي يجري بها تكوين الذهنية
الأحادية المطيعة الجاهزة دائما لإشهار سلاح التكفير ضد
الآخر وإقصائه واستبعاده ليكون قتله بعد ذلك تحصيل حاصل،
عندما وصل النقاش لهذا الحد اختلفت الآراء والتوجهات
اختلافا كبيرا، وبدا أن قطاعا مهما من النخبة الثقافية
والسياسية لم يتفق بعد علي فكرة أولية أظن أنها أساسية في
اختيار طريق التطور الديمقراطي السلمي للبلاد خروجا من
أزمتها الحانقة آنيا بل واستراتيجيا، وهذه الفكرة البسيطة
تقول إن الحد الأدني للدولة العصرية الديمقراطية هو
علمانيتها وأن هذه العلمانية ليست مجرد شعار ولكنها مجموعة
ممارسات وقوانين ومواد في الدستور ومناهج للتعليم وتوجهات
للإعلام والثقافة والمؤسسات الدينية ونخبة شجاعة تضع كل
هذه القضايا نصب عينيها وتدافع عنها بقوة، ولا تكل ولا تمل
من شرح حقيقة أن العلمانية لا تساوي الإلحاد، خاصة أن دعاة
الدولة الدينية وأصحاب مشروعها السياسي الجهنمي قد نجحوا
في إقناع المواطنين البسطاء بأن العلمانية تساوي الإلحاد
وليست فصل الدين عن السياسة وعن الدولة كما هي في الحقيقة
بل قالوا إن العلمانيين هم بالتالي كفرة، مستهدفين عزل
الأفكار والمثقفين الذين يتبنونها ويدافعون عنها عن المجري
العام لحركة المجتمع، وفي هذا السياق استطاع شيوخ الدولة
الدينية والذين جري وصفهم بالمعتدلين وعلي رأسهم المرحوم
الشيخ محمد الغزالي أن يحرضوا مجموعة من الشباب الجهلاء
الأميين المساكين لكي يقتلوا مفكرا علمانيا مسلما هو «فرج
فودة»، وأن يحاول آخرون قتل «نجيب محفوظ»، وقام معتدلون
مزعومون آخرون بتكفير باحث في علوم القرآن وأستاذ جامعي هو
«نصر حامد أبوزيد» وحين وصلت قضيته إلي المحكمة اعتمد
القاضي علي النص الدستوري الذي يقول إن الإسلام هو دين
الدولة وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع
لكي يصدر حكما بتطليق «ابتهال يونس» زوجة نصر بحجة أنه لا
يجوز لمسلمة أن تتزوج مرتدا وكان أن ذهب كل من نصر وابتهال
إلي المنفي، وسوف نظل نذكر هذه الواقعة المشينة ونعيد
التذكير بها للذين يقولون لنا - وهم مرتاحون - إن الدستور
المصري هو دستور مدني وأن كل قوانينها وضعية، وهم ينسون في
هذا الصدد أن كل هجمات الإرهاب والتطرف فكريا كان أو مسلحا
أسست مشروعها السياسي علي هذه المادة الثانية من الدستور
قائلة إن الحكومات المتعاقبة لم تطبق شرع الله طبقا لهذه
المادة وأنها هي وحدها القادرة علي تطبيقه بشكل صحيح، أي
أن هذه المادة هي مستند شرعيتها.
ولم يلتفت المثقفون الذين طالبوا بالاعتراف بحق قوي
الإسلام السياسي في إنشاء حزبها إلي هذه الحقيقة الشائكة
إذ إن حزبا للإسلام السياسي دون إلغاء هذه المادة سوف يكون
له التفوق ناهيك عن الاستعلاء - الذي يمارسونه فعلا - ضد
كل القوي الأخري باسم هذه المادة التي تمنحهم شرعية ليست
للآخرين حتي لو كان كل الآخرين طبقا للقانون يلتزمون
بالدستور.
وتبرز هنا قضية الإصلاح الديني كقضية مركزية ومسألة انقطاع
هذه المسيرة عبر تاريخنا تحتاج لجهد خلاق من قبل الباحثين
والمفكرين، وإلي فحص علمي شامل في محاولة جماعية للرد علي
السؤال لماذا كانت قوي المحافظة والجمود قادرة في كل
اللحظات التاريخية الحاسمة علي الانتصار علي قوي التجديد
والاستنارة والاجتهاد، وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه عبر
القرون، هناك بالقطع عناصر في المجتمع وفي مستوي التطور
والبنية الطبقية وفي السياسة وفي الثقافة وهنا يأتي دور
النصوص الدينية التي تنطوي علي إشكاليات كبيرة تحتاج إلي
تدريب علي القراءة التاريخية والتأويل فالنصوص هي بنت
زمانها وكل قراءة هي أيضا بنت زمانها وملابساتها.
ولعل مرور قرن من الزمان علي وفاة الإمام محمد عبده أن
يكون مناسبة لا فحسب لإحياء منهجه في الإصلاح بل أيضا
لتجاوزه.
ولدينا في تراث ثورة 1919 والحقبة الليبرالية الأولي أرضية
ملائمة فشعارها العظيم «الدين لله والوطن للجميع» مايزال
راهنا، ويحتاج الإصلاح الديني مبدئيا إلي إطلاق الحريات
العامة وإلغاء كل القوانين المقيدة لها لأن الإصلاح عملية
تحتاج أيضا إلي قاعدة اجتماعية حرة حتي يكون لها مستقبل.