المفكر والمناضل اليمني الكبير الشهيد جار الله عمر00
فعلها0 منح الشيطان الأمان، ومضي نحوه ممتطيا شجاعة نادرة،
وإصرارا علي وحدة كل القوي المعارضة لنظام الحكم هناك0
كثيرون من رفاق دربه ورجال حزبه (الحزب الاشتراكي اليمني)
وأنا شخصيا حذرناه مرات عديدة00 لا تثق في المتأسلمين 00
ولا في التجمع اليمني للإصلاح الذي يقودهم، ويحميهم
ويؤويهم ويثقفهم بثقافة الكراهية والقتل والتأسلم0 ورغم كل
التحذيرات أصر جار الله عمر علي أن يذهب إلي الجلسة
الافتتاحية للمؤتمر العام لتجمع الإصلاح ليلقي خطابا
يدعوهم فيه إلي «وحدة الصف» وفيما هو علي المنبر جاءه
الرد00 رصاصات متأسلمة00 ورحل0
00 ويمضي الشهيد مضيفاً إلي سجل المتأسلمين عاراً فوق عار
وجرائم فوق جرائم0
وأمام المحكمة أصر الحزب الاشتراكي علي أن يخوض معركة
فكرية يفند فيها أفكار المتأسلمين، ويثبت أنها لا علاقة
لها بصحيح الإسلام0 ويصدر عن هذه المرافعات كتاب بعنوان
«نقد وتفكيك خطاب الاستحلال - نص مرافعات محامي الشهيد جار
الله عمر»0
وتتضمن المرافعات وثائق مذهلة فمتأسلمو اليمن مثلهم مثل
متأسلمي مصر يلعبون دوما ودون ملل لعبة مزدوجة00 يظهرون
موافقتهم علي الدستور، ويشاركون في البرلمان، ويتحدثون عن
الديمقراطية وحقوق المرأة، بينما لهم أفكارهم وكتاباتهم
ووثائقهم المتأسلمة التي يحشون بها رءوس أتباعهم وخريجي
مدارسهم التي يسمونها زوراً «جامعة الإيمان»00
فماذا يقولون في وثائقهم «أن قيام مجلس النواب بإصدار
التشريعات كفر لأنه إشراك لله في الحاكمية» (ونلاحظ أنهم
يشاركون في البرلمان وفي إصدار التشريعات) وهم يرون أن
«التعددية الحزبية وتعددية منظمات المجتمع المدني إنما
تفتح باب الردة» أما النص الدستور «تكفل الدولة للمواطنين
حريتهم الشخصية» فقد أكدوا أنه كفر لأن الأفراد قد يمارسون
الزنا والفجور وتعدد الأزواج بدلا من تعدد الزوجات»0
وتقول مذكرة الدفاع عن أسرة الشهيد وهم يسمون وفق القانون
اليمني «أولياء الدم» «أن المفارقة البائسة هي أن نواب
«حزب الإصلاح» الذين رددوا دوما مثل هذه الأفكار هم أنفسهم
جلسوا في البرلمان محتكمين لنصوص الدستور وبدلا من أن
يرددوا ما اعتادوا عليه من أن مواد الدستور فيها إلغاء
لحاكمية الله وشرك في وحدانيته وتبيح الردة عن الإسلام
وتبيح الزنا والفجور وتعدد الأزواج خضعوا لها وإن
ظاهرياً»0 وتقول مذكرة أولياء الدم «بالعودة إلي المواد
التي قاموا بتكفيرها نجد أن فتاوي الاستحلال استهدفت رفض
التحول الديمقراطي والتعددية الحزبية، ورفض العدالة
الاجتماعية، ورفض مبادئ حقوق الإنسان مثل المواطنة
المتساوية، والمساواة أمام القانون والعدالة والحرية
وسيادة القانون» (ص117)0
ثم تواصل المذكرة تقديم مجموعات من الفتاوي التي أصدرها
شيوخ «الحزب» و«جامعة الإيمان» ومنها:
- فتوي بتحريم الغناء0
- فتوي لمنع المرأة من الولاية العامة0
- فتوي بتكفير دخول المرأة البرلمان0
- تكفير المنادين بالتعددية الحزبية0
- تكفير المنادين بالديمقراطية0
والقائمة طويلة وممتدة0
ويبقي أن نعود إلي أصل المسألة، الشهيد الجار الله عمر خاض
طوال حياته صراعاً سياسيا من أجل الديمقراطية، ومن أجل
الحريات، ومن أجل النهوض بمستوي معيشة الشعب0
لكنه استدرج نفسه نحو امكان التحالف مع المتأسلمين في
مواجهة النظام الحاكم فكان كمن يستعين بنمر في مواجهة نمر
آخر0 تصور أنه يمكن إقناع المتأسلمين بالديمقراطية
وباحترام الآخر0 وذهب إلي مؤتمرهم ليلقي كلمة تحية، وليوجه
لهم دعوة للتحالف في مواجهة الخصم المشترك0 استقبلوه
بالترحاب وأعطوه الميكروفون ليلقي خطابه0 وما أن صعد إلي
المنصة حتي أردته رصاصات الغدر0
إنه الدرس المرير والقاسي0 ربما كان بإمكانهم أن يقتلوه
وهو في الطريق إليهم، أو حتي وهو في بيته لكن النمر
المفترس يأبي إلا أن يظل وحشا همجيا0
إنه الدرس مرة أخري لمن يأتمن الشيطان0