بدأت الثقافة المصرية مشروعها النهضوي في القرن
العشرين في إطر مستقلة عبر جمعيات ثقافية وصالونات أدبية
ومنتديات فكرية أسسها وأشرف عليها مثقفون آمنوا بضرورة
وجود حراك ثقافي لا يدور في فلك النخبة فقط، بل يتعدي ذلك
إلي فضاءات أرحب وأوسع من العمل الجماهيري ولم تعرف مصر
مسمي «وزارة الثقافة» إلا مع قيام ثورة يوليو 1952، حيث
أنشئت - ولأول مرة - وزارة تحمل اسم «وزارة الثقافة
والإرشاد القومي»، والتي اقترنت لفترة طويلة بالسلطة
العسكرية خلال أكثر من ثلاثين عاما فيما يمكن أن يسمي بـ
«عسكرة الثقافة» حيث تولي أمورها مجموعة من الضباط الأحرار
لعل أشهرهم ثروت عكاشة ويوسف السباعي، والاثنان لهما أياد
بيضاء علي الثقافة المصرية عامة اتفقنا أو اختلفنا معهما.
فالأول: يمثل لحظة تنويرية خاصة في الحقبة الناصرية، بما
تمتع به من شخصية متفتحة علي الفكر الغربي بمدارسه الفنية
والنقدية، ونظرا لأنه كان شغوفا بمشاريع النهضة الأوروبية،
خاصة في فرنسا، فقد حاول تطبيق بعضها علي الثقافة المصرية،
فقام بتأسيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفي عهده بدأ
مشروع الألف كتاب، كذلك إقامة معرض القاهرة الدولي للكتاب
كما حاول استقطاب رواد الفكر والأدب في مصر للعمل معا
بمختلف مدارسهم نذكر منهم نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم
ود. سهير القلماوي وصلاح عبدالصبور وأحمد حمروش وغيرهم.
أما يوسف السباعي فرغم أن وزارة الثقافة مرت في عهده
بمرحلة صعبة نظرا لطغيان السلطة السياسية ومحاولتها الدءوب
استلاب العقول المثقفة - في الحقبة الساداتية - إلا أنه
يحسب له تأسيسه لاتحاد الكتاب، الذي - وإن جاء في إطار
صوري في البداية خاصة في فترة تولي توفيق الحكيم الرئاسة
ومن بعده ثروت أباظة - إلا أنه كان ضروريا وعليه أن يتفاعل
مع قضايا المثقفين في الفترة القادمة، كذلك تأسيسه لجمعية
الأدباء ونادي القصة.
وخلال الأربعة والعشرين عاما الماضية من حكم الرئيس
«مبارك» نجد أن هناك أربعة وزراء حملوا الحقيبة الوزارية
للثقافة وهم «منصور حسن - وعبدالحميد رضوان - وأحمد هيكل -
وفاروق حسني» والأخير يعد أكثر الوزراء استمرارا في هذا
المنصب والذي تولاه منذ عام 1987.
وإذا كان الظرف السياسي والاجتماعي - الآن - يقف بنا في
لحظة تاريخية - قد تكون فارقة في حياة الأمة، فلابد من
تقديم كشف حساب لهذه الوزارة المهمة والمنوط بها النهوض
بعقل الوطن وفكره وإبداعه.
وسنحاول هنا أن نبدأ ببيان ما لها وما عليها، وسنتناول ذلك
بموضوعية شديدة.
الهيئة العامة لقصور الثقافة ظهر مفهوم «الثقافة الجماهيرية» في منتصف الأربعينيات
وتحديدا في أكتوبر من عام 1945 حيث تم إنشاء أول جامعة
شعبية بمدينة القاهرة برئاسة المفكر الراحل أحمد أمين،
وكان لها خمسة عشر فرعا في محافظات مصر المختلفة، وفي عام
1948 عدل الاسم ليصبح «مؤسسة الثقافة الشعبية»، وكان الغرض
منها - في الأساس - نشر الثقافة العامة بين أفراد الشعب
والمساهمة في إيقاظ الوعي عن طريق العمل علي رفع المستوي
الفكري والاجتماعي، وكانت في البداية عبارة عن هيئة تابعة
لوزارة المعارف، وبعد ثورة يوليو 1952 تحولت أمورها
الإدارية والفنية إلي وزارة الثقافة والإرشاد القومي حيث
صدر القانون رقم 692 لسنة 1958 والخاص بهذا الغرض، علي أن
يتم تنفيذ مشاريعها عبر سبعة برامج رئيسية وهي: «الثقافة
القومية، والثقافة العامة، والثقافة الاقتصادية، والثقافة
الفنية، والثقافة النسوية، والثقافة العمالية، والثقافة
الريفية».
ودعت الخطة الخمسية الأولي إلي بناء قصر ثقافة في عاصمة كل
محافظة يجهز بعربة متنقلة تجوب المدن والقري التي لا يوجد
بها موقع ثقافي ثابت، فتنقل إليها الخدمات الثقافية من
أفلام سينمائية ومحاضرات ثقافية، وعروض مسرحية.
ويورد محمود سعيد محمود أحد الذين مارسوا العمل في الثقافة
الجماهيرية لأكثر من أربعين عاما في كتابه «خمسون عاما من
الثقافة الجماهيرية» مقولة مهمة للدكتور ثروت عكاشة يقول
فيها «كان الإيمان بالعدل الاجتماعي في نشر النتاج الثقافي
لا شيء غيره هو الذي حفزني إلي الأخذ بنظام قصور الثقافة،
كنا في مصر بحاجة ماسة إلي تجميع العقول عامة علي ثقافة
مشتركة، ولا نترك الجمهرة الكبري من سكان مصر بعيدين كل
البعد عن الإسهام في الثقافة والارتشاف من منابعها».
ويؤكد محمود سعيد أن عكاشة كان يعتبر قصور الثقافة بمثابة
مدارس ثقافية إلي جانب المدارس التعليمية.
وقد تبع الثقافة الجماهيرية مجموعة من الأنشطة المسرحية
فأنشأ المسرح العائم بطابعه الغنائي الشعبي ليجوب القري
المطلة علي النيل، وقد انتهي به الحال منذ أكثر من عشرين
عاما ليصبح مجرد مكان للعروض الشعبية التي لا تقدم شيئا من
الفن الجاد.
تحولات تنظيمية وفي بداية الثمانينيات كا نت حصيلة الثقافة الجماهيرية
من الأماكن الثقافية (26 مديرية ثقافية) و49 قصرا، 76
مكتبة فرعية و61 دار عرض سينمائي في الوحدات المجمعة
بالريف، و35 مركزا وقصرا لثقافة الطفل، و50 قافلة ثقافية.
وفي عام 1989 وتحديدا في 4 مارس صدر القرار الجمهوري رقم
63 لسنة 1989 بإنشاء وتنظيم الهيئة العامة لقصور الثقافة
وتولي رئاستها حسين مهران، وهو الذي قادها باقتدار عبر
رحلته الإدارية التي استمرت إلي عام 1997، ويحسب له أنه
أدخل مشروع النشر في الهيئة من خلال إصدار أربع عشرة سلسلة
أدبية وفكرية أسهمت بشكل كبير في بلورة حالة ثقافية خاصة،
وكان بعضها نافذة لنشر إبداعات الأدباء من الأجيال كافة
ومن مختلف المحافظات، بالإضافة إلي تفعيل دور المسرح
الإقليمي من خلال إقامة مهرجانات نوادي المسرح، مما يذكرنا
بنشاط المسرح المتجول في الستينيات والذي شارك فيه مجموعة
من رواد المسرح المصري نذكر منهم عبدالرحيم الزرقاني
وأمينة رزق ويوسف وهبي وسعد أردش وكرم مطاوع وعبدالعزيز
مخيون وغيرهم.
بالإضافة إلي ازدهار الفرق الشعبية، التي وصل بعضها إلي
مستوي عالمي، ساعدها علي حصد جوائز الفنون الشعبية في
المهرجانات العالمية مثل «فرقة البحيرة وفرقة الإسماعيلية
وفرقة أسوان للفنون الشعبية».
وفي عهد مهران - أيضا - تم إصدار سلسلة الذخائر والتي أشرف
عليها - في البداية - الروائي جمال الغيطاني والتي تعد من
أهم إنجازات الهيئة، وأكثر السلاسل المصرية مبيعا، ويكفيها
إعادة طبع «ألف ليلة وليلة» بعد أكثر من 15 عاما من
المصادرة، في خطوة جريئة.
وبعد إحالة مهران إلي المعاش مرت الهيئة بحالة من التخبط
الإداري خاصة في ظل تولي بعض قيادات وزارة الثقافة، الذين
لم يتفرغوا بشكل جيد لإدارتها نظرا لتشتتهم في أعمال أخري
مثل د. فوزي فهمي الذي انتدب من أكاديمية الفنون، ود.
مصطفي الرزاز الذي انتدب من وزارة التعليم العالي، ومحمد
غنيم الذي انتدب من العلاقات الخارجية بالوزارة.
إشكاليات وقضايا وباستثناء الفترة القصيرة التي قضاها الناقد علي
أبوشادي والتي استمرت من 1999 حتي 2001، ورغم أن أبوشادي
عمل في الهيئة لسنوات طويلة قبل ذلك إلا أن العامين
الأخيرين كانا أكثر الفترات التي مرت علي الهيئة إثارة،
ففي عام 2000 تفجرت قضية «الوليمة» التي هزت مصر كلها،
وذلك بعد أن أصدرت سلسلة «آفاق عربية» التي كان يرأس
تحريرها الروائي إبراهيم أصلان رواية «وليمة لأعشاب البحر»
للروائي السوري حيدر حيدر، والتي صدرت طبعتها الأولي عام
1983.
وفوجيء الشارع المصري بسلسلة من المقالات في صحيفة «الشعب»
لسان حزب العمل، لكاتب يدعي «محمد عباس» شن فيها هجوما
ضاريا علي وزارة الثقافة، لأنها نشرت رواية - علي حد
تعبيره - تدعو للكفر والإلحاد، ونظرا لسخونة العناوين،
وبتر بعض العبارات من سياقها العام التي دلل بها «عباس»
علي رأيه، ولأن نافخي الكير - دائما - علي استعداد لإشعال
الحرائق، فقد تم تسريب المقال مع مجتزءات من الرواية إلي
طلبة جامعة الأزهر، الذين لم يقرأوا الرواية، ولم يفهموا
الغرض منها، فخرجوا في مظاهرة عارمة، كان من نتيجتها إغلاق
حزب العمل وجريدته.
والحق يقال فإن وزير الثقافة - فاروق حسني - اتخذ موقفا
إيجابيا من القضية حيث شكل لجنة بالمجلس الأعلي للثقافة
لقراءة الرواية مكونة من كل من الراحل د. عبدالقادر القط
والناقد محمود أمين العالم ود. صلاح فضل وجاء بيانها مؤكدا
علي حرية الرأي والتعبير.
ولم تكد أزمة «الوليمة» تمر بسلام حتي أثيرت أزمة أخري
بعدها بستة أشهر تقريبا بعد أن أصدرت سلسلة «أصوات أدبية»
التي كان يرأسها في ذلك الوقت الروائي «محمد البساطي» ثلاث
روايات هي: «أحلام محرمة» لمحمود حامد، و«أبناء الخطأ
الرومانسي» لياسر شعبان، و«قبل وبعد» لتوفيق عبدالرحمن،
حيث فوجيء الجميع بالنائب الإخواني د. جمال حشمت يقدم
استجوابا في مجلس الشعب يطالب فيه بمحاكمة وزير الثقافة
والقائمين علي إصدار السلسلة، وكان موقف الوزير مغايرا -
تماما - لموقفه السابق في قضية «الوليمة»، حيث تمت إقالة
علي أبوشادي والبساطي وأحمد عبدالرازق أبوالعلا المشرف علي
النشر بالهيئة من مناصبهم ووقفهم عن العمل، في واقعة
قابلها الوسط الثقافي بالدهشة والاستنكار.
النشر الإقليمي ومن المشروعات المهمة التي استحدثها أبوشادي - إبان
توليه المسئولية - مشروع النشر الإقليمي وكانت إحدي
التوصيات المهمة في مؤتمر أدباء الأقاليم الذي عقد بمدينة
دمنهور عام 1999، وقد مثل دعامة أساسية لأدباء الأقاليم
وساعدهم علي نشر إبداعهم في سلاسل منتظمة في نوادي الأدب
المختلفة، ولولا بعض العيوب الفنية وسيطرة المحسوبية
والشللية، والتي تسربت من منهج المركزية الثقافية لكان
لهذا المشروع دور حيوي في تقديم وجوه إبداعية متميزة.
ولا أعرف لماذا تم تحجيم هذا المشروع، مثلما حجم مشروع
النشر المركزي، الذي بات مهددا بالإلغاء بحجة قلة
الميزانية، فبعد أن كانت سلسلتا «أصوات» و«إبداعات»
أسبوعيتين صارتا شهريتين، فكيف يتسني لكل سلسلة إصدار 12
عددا كل عام - فقط -، رغم وجود عشرات المبدعين في القصة
والرواية والشعر والنقد، في انتظار النشر، وهذا جعلهم
يبحثون عن النشر الخاص الذي لا يقدر عليه الكثيرون، نظرا
لتكلفته المرتفعة، كذلك يعرضهم لممارسات استغلالية من قبل
الناشرين، مما حول الأمر في النهاية إلي تسليع الثقافة.
ثقافة المؤتمرات من طبيعة المؤتمرات الأدبية أنها تساعد علي التعرف علي
المدارس النقدية والفكرية والإبداعية الجديدة، ومحاولة خلق
آليات للتواصل بين المبدعين من مختلف التيارات والمدارس،
ونظرة سريعة إلي المؤتمرات التي تقيمها الهيئة العامة
لقصور الثقافة سنويا سنجد أنها تصل إلي ما يقرب من عشرة
مؤتمرات، تقام في محافظات مختلفة بالإضافة إلي مؤتمرات
الأقاليم الثقافية، «غرب ووسط الدلتا، وشرق الدلتا، وشمال
الصعيد، والقناة وجنوب الصعيد» بالإضافة إلي المؤتمر العام
لأدباء مصر في الأقاليم، وقد أقيمت منه تسع عشرة دورة، لكن
- للأسف الشديد - تدور هذه المؤتمرات حول موضوع معين ذي
عنوان رنان من قبيل «الأدب والهوية» و«الأدب وآفاق
المستقبل» و«الأدب والمتغيرات العالمية»، ومعظم الأوراق
البحثية التي تقدم لها ضعيفة المستوي نظرا لأن هذه
المؤتمرات قد أغلقت علي أسماء نقاد بعينهم متوسطي الموهبة،
ولا يملكون منطلقات معرفية تجعلهم قادرين علي استخلاص
النتائج، رغم ما يتقاضونه من أموال باهظة مما يحول الأمر -
في النهاية - إلي مجرد لقاءات للتعارف والتلاقي بين
الأدباء، والدليل علي ذلك أن الجلسات البحثية - عادة - ما
تكون خالية من الحضور الجماهيري باستثناء الجلسة
الافتتاحية لأي مؤتمر.
هناك أمر بالغ الخطورة هو أن معظم التوصيات التي تلقي في
نهاية هذه المؤتمرات - بها كثير من الإيجابيات - التي لو
نفذت ولو جزئيا لانصلح كثير من أحوال الثقافة المصرية،
صحيح نفذت بعض التوصيات الخاصة بنشر إبداعات الأقاليم في
مكتبة الأسرة من خلال سلسلة خاصة وهي «إبداعات معاصرة»،
إلا أن هناك توصيات شائكة يجب النظر إليها حول علاقة
المثقف بالسلطة وإلغاء قانون الطوارئ، وأذكر أنه في مؤتمر
أدباء مصر في دورته الثامنة عشرة في المنيا عام 2003، وضع
الأدباء المشاركون فيه توصية خاصة بتحديد مدة الرئاسة
وتعديل الدستور، وأقيمت جلسة إجرائية خاصة شارك فيها د.
عبدالغفار مكاوي رئيس المؤتمر، ود. أشرف عطية الأمين العام
المساعد للمؤتمر في هذه الدورة والناقدة فريد النقاش
والقاص قاسم مسعد عليوة عضو أمانة المؤتمر، وفي ختام
المؤتمر تليت التوصيات وكانت خالية من تلك التوصية المهمة.
وبعد: فلقد أقيمت «الهيئة العامة لقصور الثقافة» - في
الأساس - منذ أن كان اسمها «الجامعة الشعبية» ثم «الثقافة
الجماهيرية» لتفعيل دور الثقافة المصرية والاهتمام بالوعي
الشعبي باعتباره مكونا رئيسيا من مكونات النهضة الحديثة.
لكن مع مرور الوقت - وبفعل البيروقراطية الإدارية وسيطرة
الموظفين، ووجود هذا الخيط الممتد في إيجاد علاقة بين
السلطة والثقافة - تحولت إلي دار للنشر، وياليت الأداء كان
علي الشكل الأمثل، الذي يفي بحاجات المبدعين إنما جاء - في
الفترة الأخيرة تحديدا - مبتسرا ومبتور السياق كجنين غير
مكتمل.
ومع ذلك هناك كثير من نقاط الضوء، التي تجعلنا نتعشم -
كثيرا - أن ينهض هذا المشروع الحيوي من كبوته، ليقوم بدوره
المعرفي المنوط به.