المجمعات الاستهلاكية دليل علي فشل السياسات الاقتصادية
عبد اللطيف وهبة - أميرة عبد السلام
السوق يخضع للاحتكارات
والمضاربات.. ولا عزاء للفقراء
تشهد التجارة الداخلية في المرحلة الحالية حالة من الفوضي
تستدعي إعادة النظر في كل جوانبها لتصبح قادرة علي مواجهة
التحديات التي فرضتها السلاسل الكبري، ويأتي هذا التحدي
بعد 24 عاما من حكومات تعاقبت علي مصر اختلفت في أدائها
وسياساتها الاقتصادية، الأمر الذي أدي إلي إهمال بالمجمعات
الاستهلاكية.. واختفاء دورها الذي كانت تلعبه خلال الحقب
الماضية.
في الثمانينيات كانت شركات المجمعات الاستهلاكية هي إحدي
الأدوات الأساسية لضبط الأسعار في الأسواق، وكانت الوسيط
الآمن بين المنتج والمستهلك، وظهر ذلك واضحا من خلال طرح
السلع الغذائية الأساسية، لكن مع بداية التسعينيات بدأت
شركات المجمعات في الاختفاء خاصة في فترة الإصلاح
الاقتصادي وسياسة الخصخصة وتعمدت الحكومة إهمال المجمعات
ودورها الاجتماعي في محاولة للتخلص منها وبيعها.
وخلال حقبة التسعينيات أيضا لم تمتد يد الحكومة إلي شركات
المجمعات وفروعها التي كانت تغطي أكثر من 80% من محافظات
الجمهورية بالتطوير بل تعمدت الحكومة عدم طرح سلع في هذه
المجمعات وتركتها مثلما تركت السلع للعرض والطلب ،وقد
تزامن ذلك مع رفع العديد من السلع الغذائية المدعومة من
البطاقات التموينية.. وتحولت المجمعات الاستهلاكية خلال
هذه الفترة أيضا إلي مجرد وسيط لعرض وبيع سلع القطاع
الخاص، وحتي دخلت المجمعات حلبة المنافسة مع القطاع الخاص
لرفع الأسعار.
لكن في أواخر التسعينيات وعقب أزمة السكر الشهيرة التي وصل
فيها سعر الكيل وإلي 3 جنيهات تنبهت وزارة والتموين
والتجارة الداخلية ووزيرها د. أحمد جويلي في إحياء دور
المجمعات الاستهلاكية عندما اكتشف أن المجمعات هي أفضل
وسيلة لمواجهة تهريب وتخزين السكر وتلاعبات القطاع الخاص،
وقرر طرح السلع التي يحدث فيها اختناقات من خلال المجمعات
الاستهلاكية.
وخلال هذه الفترة نجحت وزارة التموين في وضع قواعد من
شأنها الحفاظ علي المجمعات الاستهلاكية عندما وقع د. أحمد
جويلي اتفاقا لتأجير شركات المجمعات وفروعها بموجب إيجار
رمزي كنوع من التحايل لإخراجها من دائرة القانون 203 الخاص
بشركات قطاع الأعمال العام، وبالفعل أعاد هذا الاتفاق
للمجمعات دورها المفقود لكن في نهاية التسعينيات.. ومع
تولي حكومة د. عاطف عبيد عادت المجمعات مرة ثانية إلي ما
كانت عليه في بداية التسعينيات، لم تعد الشركات العامة
والحكومية تقوم بتوريد السلع إليها مرة ثانية بسبب أزمة
السيولة وارتفاع الأسعار وعدم تحقيق هامش ربح معقول.
ومنذ نهاية التسعينيات وحتي الآن تعاني شركات المجمعات من
عدم وجود جهة حكومية أو حتي وزارة تقف بجانبها.. وأصبحت
ممزقة بين وزارتي التموين والاستثمار.
وتؤكد دراسات الاتحاد العام للغرف التجارية أن هناك كيانات
واندماجات اقتصادية عملاقة ومنافسة شرسة سيكون البقاء فيها
للأقوي ويستلزم ذلك اتخاذ إجراءات للمحافظة علي جمهور
المستهلكين بالإضافة إلي دراسة تجارب السوق خلال الفترات
الماضية من أجل خلق المناخ المناسب.
وقالت تقارير الاتحاد العام للغرف التجارية إن هناك كيانات
عملاقة في مجال تجارة الجملة والتجزئة أثار دخولها إلي
السوق المصري ردود فعل عنيفة في الأوساط التجارية منها
اتهامات بالاحتكار والغزو الأجنبي للتجارة الداخلية.
والغريب أن دخول هذه السلاسل كان بمثابة صدمة للقطاع
الداخلي ولابد من التعامل معها بواقعية دون مغالاة عن طريق
مواجهة شجاعة وعملية لأن مجال هذه السلاسل سيتعدي مجال
السلع الاستهلاكية السريعة الدوران إلي السلع المعمرة؛ كما
أن هناك كيانات أكثر حجما تخطط لدخول السوق المصري.
وبعيدا عن المجمعات - التي غاب دورها الآن - نجد أن السوق
المصري يتضمن أكثر من 250 ألف محل ويوجد 5،3 مليون تاجر
مسجلين فقط في الاتحاد العام للغرف التجارية مع أن العدد
يصل إلي 5 ملايين تاجر، لكن المشكلة أن 85% من هذه المحلات
عبارة عن تجزئة صغيرة و4% بقالات متوسطة الحجم و2% فقط
محلات جملة وسوبر ماركت.
لقد تحملت الطبقات المتوسطة ومحدودو الدخل عبء السياسات
الاقتصادية الخاطئة علي مدار ربع قرن وخلال هذه الفترة
تقلص دور المجمعات الاستهلاكية بضعف دعم السلع الغذائية
الأساسية من قبل الحكومة.
فقد كانت أكثر من 17 سلعة تصرف علي البطاقات التموينية
أصبحت سلعتين فقط هما «الزيت والسكر» رغم إضافة سلع أخري
متنوعة موخرا إلا أن الحكومة اضطرت إلي هذا الإجراء
لمواجهة فشل السياسات الاقتصادية في ضبط الأسعار.
فالأسواق العامة في انتظار الوعود الانتخابية التي أعلن
عنها المرشحون لضبط أسعار السلع الغذائية الأساسية بعد
ارتفاعها في الفترة الماضية.
إن ارتفاع الأسعار في المجمعات الاستهلاكية التي تتميز دون
غيرها من المحلات الخاصة بعرض السلع بأسعار منخفظة عن
أسعار السوق هو تأكيد لعدم وجود آليات لضبط الأسعار أو حتي
محاولة السيطرة عليها علي مدار الـ 24 عام الأخيرة ومازالت
الجمعيات الاستهلاكية تشكل أزمة حقيقية لجمهور المستهلكين
لأن الحكومة الحالية لا تفصل بين آلياتها والقطاع الخاص
فالمجمعات الاستهلاكية حتي بعد تطويرها أصبحت مجرد أماكن
تسكنها الأشباح دون وجود أي سلع مدعمة فيها ولا يوجد تدافع
عليها من قبل المستهلكين فمتي ستعود الطوابير أمامها
للحصول علي السلع المدعمة التي انقرضت في عهد النظام
الحالي فكل الجهود المبذولة لا تمثل علاجا جذريا لمشلكة
المواطن المصري المطحون بحثا عن قوت يومه بسبب الارتفاع
العشوائي الذي يحدث في الأسواق حيث أصبحت ترتفع بنسب كبيرة
وعلي فترات متقاربة دون مبرر أو تفسير، البعض يؤكد أن جزءا
من الحل يكمن في تفعيل دور المجمعات الاستهلاكية التي
اقتصر دورها علي تسلم وبيع اللحوم السودانية فيجب أن تعود
الحياة مرة أخري إليها بعد توقفها تماما من أجل إنعاش
السوق نوعا ما.
وأكد بعض الخبراء أنه في ظل مسلسل ارتفاع الأسعار خلال
الفترة الأخيرة يجب إعادة النظر في الأدوار المفقودة
للبطاقات التموينية والجمعيات التعاونية لإحداث توازن في
الأسواق وأسعار السلع من خلال شبكة ضمان اجتماعي لحماية
محدودي الدخل لمواجهة مضاربات القطاع الخاص وأصحاب محلات
السوبر ماركت.
ولابد من الاعتماد علي التعاونيات الاستهلاكية لإحداث
توازن في الأسواق وضمان حد من السلع بأسعار معقولة لأصحاب
الطبقات المتوسطة والأسر الفقيرة؛ فقد أشارت التقارير إلي
وجود أكثر من 5200 جمعية منها 2601 في المقار والهيئات
الحكومية و633 في الشركات بجانب 1966 ومنافذ تزيد علي 1622
منفذا لكن في ظل سياسة الخصخصة وبيع الشركات تم إغلاق
العديد من هذه المنافذ وعدم الاعتماد عليها في تصريف
البضائع والسلع الحكومية فحجم مبيعات تلك الجمعيات يصل إلي
881 مليون جنيه لكن مسيرة الإصلاح أسقطت حركة التعاونيات
من حسابها كما أن الشركات من عامة إلي خاصة قد أفقدت
القطاع التعاوني دوره.