أقام الملتقي الثقافي المصري العربي البريطاني ورشة
عمل في لندن، يوم السبت 16 يوليو 2005، وقد تشرفت بمشاركة
الدكتور حسام سعدالدين في هذه الورشة التي كان موضوعها:
إلي أين تقود الحالة الراهنة في مصر؟.
وبينما تقدمت بمساهمة تحت عنوان: حزب التجمع والتغيير
الديمقراطي، قدم الدكتور حسام مساهمته حول: الإخوان
المسلمون ومستقبل الديمقراطية التي قدمها للقاريء المصري
بنشرها في جريدة العربي بتاريخ 24/7/2005، ونظرا لأهمية
هذا الموضوع وما يطرحه من قضايا وإشكاليات ثقافية وسياسية
رأيت ضرورة طرح بعض الملاحظات التي أراها أساسية لاستمرار
النقاش:
أولا: لا يمكن وضع مسألة الإخوان المسلمين في مجرد قبول أو
رفض اعتراف الآخرين بوجودهم، لأن المسألة ليست كذلك،
فالإخوان أنفسهم يقدمون خطاباتهم ورسائلهم وتحركاتهم للحكم
أو للتنظيمات السياسية والنقابية والثقافية باعتبارهم قوة
موجودة، والحكومة في أحيان كثيرة وكذلك بعض أطراف المعارضة
يقومون بإقامة التحالفات الانتخابية والاجتماعات المشتركة
وغير ذلك من أشكال التنسيق والعمل المشترك مع الإخوان، فإن
كان القصد يدور حول الاعتراف بهم كحزب سياسي، فإن الإخوان
أنفسهم لم يحسموا هذا الأمر بعد، ليس فقط لأنهم لم يتقدموا
بطلب الترخيص لهم بإقامة حزب سياسي، بل لأنهم لم يحسموا
بينهم مسألة ما إن كانوا يريدون العمل كحزب سياسي أو كحزب
ديني، أو يظلون في وضعهم الحالي كجماعة للمسلمين يظهرون
أحيانا في صورة الحزب السياسي ويظهرون طوال الوقت كجماعة
للدعوة الدينية أو كحماة للشريعة الإسلامية.
ثانيا: كذلك لا يمكن تصوير المسألة في صورة مأزق للطبقة
الوسطي بعد وضعها في موقف الخيار بين اختيارين أحلاهما مر:
الأول هو السعي من أجل انفتاح سياسي ومعه خطورة وصول
الإخوان إلي السلطة، والثاني هو القبول بالتجديد «للرئيس»
ومن ثم التوريث للحفاظ علي بعض الحريات الاجتماعية
والدينية المكفولة والمتاحة بحكم القانون والدستور،
فالمشكلة ليست مع من تكون؟ مع الحكم أم مع الإخوان؟ إلا
إذا بلعنا الطعم المطروح من داخل صفوف بعض الجماعات
الدينية والذي يري أنك إذا اختلفت أو نقدت الإخوان فإنك
تكون مع الحكم المستبد، كذلك فإن أغلب فئات الطبقة الوسطي
وقواها النقابية والثقافية والسياسية لا تعيش بالضرورة في
هذا المأزق إذا تمكنت من البحث عن بديل ثالث، هو بديل
التغيير الديمقراطي، كبديل لا يقف عند حدود الأوضاع
الاستبدادية الحالية والاكتفاء بهامشها الديمقراطي، أو
تأييد الإخوان والخروج من الاستبداد السياسي إلي الاستبداد
باسم الدين.
ثالثا: وتفتح الملاحظة الثانية الباب للدخول في المشكلة
الفعلية، وهي: هل من حق جماعة الإخوان احتكار الحديث باسم
الدين؟ هل من حقها التقدم للمجتمع المصري باعتبارها حزب
الإسلام؟ أو باعتبارها حامية حمي الإسلام؟ وإذا فعلت ذلك
ماذا سوف يكون تصنيف بقية القوي السياسية؟ هل سنسمي بقية
القوي والأحزاب السياسية القوي غير الإسلامية؟ ودون أن
نسميها مباشرة ألا يكون تقدم الإخوان كحزب إسلامي حاملا
هذا المعني غير الحقيقي وغير السياسي لبقية القوي؟ ثم ألا
يحمل هذا خطر الصراع الطائفي كبديل للحوار السياسي وخطر
الصراع الديني كبديل للخلاف السياسي؟.
رابعا: الخلاف حول الإخوان المسلمين ليس خلافا حول القبول
أو عدم القبول بهم كقوة موجودة في الشارع، ولا خلافا حول
مجرد خطر وصولهم إلي السلطة والانقلاب علي الديمقراطية
وتداول السلطة، ولا خلاف حول تصرفاتهم واستخدامهم للقوة
والعنف وأساليب الاغتيال السياسي في الماضي، بل خلافا حول
المستقبل، والخلاف حول المستقبل في رأيي هو خلاف حول
المصير، ويقوم هذا الخلاف علي موقع الإخوان من كل من الفكر
والثقافة والدين والسياسة في المجتمع، فما هي الصورة
المستقبلية التي يريد الإخوان أن يظهروا عليها؟ وبصفة خاصة
هل يريدون أنفسهم جماعة دينية أم حزبا سياسيا؟ لأنهم إذا
تصوروا أنفسهم جماعة دينية في صورة حزب سياسي أو حزب ديني
سيرتكبون نفس أخطاء طالبان في أفغانستان وأخطاء النميري في
نهاية عهده في السودان.
خامسا: إن الإشكالية التي تطرح نفسها في النقاش حول وضع
الإخوان هي أن الخلط بين الدين والسياسة أضر دائما بكل من
الدين والسياسة، فالدين عقيدة تدور حول الإيمان والكفر،
لكن السياسة مواقف وتصورات تدور حول تحقيق مصالح القوي
والفئات والطبقات الاجتماعية، الدين عقيدة تدور في عالم
المطلق، والسياسة برامج تدور في عالم النسبية والخطأ
والصواب، فكيف نخلط ما هو مطلق بما هو نسبي؟ إن أخطر نوازع
التشدد في الحوار السياسي تصل بالمتحاورين إلي لغة
«التخوين»، لكن أخف نوازع التشدد في الحوار الديني تصل
بسرعة إلي لغة «التكفير»، وحين تدخل لغة التكفير إلي لغة
الحوار والتنافس السياسي تنتقل العملية السياسية من أدوات
الحوار والنقاش والتصويت والتداول السلمي للسلطة والحكم
الديمقراطي إلي أدوات الطعن في العقيدة والصراع الطائفي
والتكفير والقتل والإرهاب الفردي والجماعي، ولا شك أن هذا
الخلط يضر ضررا بالغا بكل من الدين والسياسة والمجتمع،
فسوف يدخل الدين وهو مقدس مجال الخلاف السياسي، وتدخل
السياسة في مجال التشدد والعنف والتكفير، ويدخل المجتمع في
مخاطر الصراع الطائفي والحروب الدينية.
سادسا: إن البحث عن مستقبل ديمقراطي حقيقي لمصر يستدعي طرح
المشاكل الحقيقية والمخاوف الحقيقية، وبما أن التعددية
الحزبية إحدي الأدوات الضرورية للمستقبل الديمقراطي الذي
يقوم علي التداول السلمي الفعلي للسلطة، فإن صورة الحزب
السياسي من المسائل المهمة التي يجب التوافق عليها بصورة
واضحة لا لبس فيها، ولذلك فإن سؤالا مهما يطرح نفسه
بمناسبة الحديث عن الإخوان والديمقراطية وهو: هل نقبل أن
يقوم الحزب السياسي علي أساس طائفي «إسلامي أو مسيحي»؟ وهل
نقبل أن يقوم الحزب ببناء تشكيلات عسكرية؟ أليس شرط قيام
الحزب علي أساس سياسي وأن يكون مفتوحا لكل المصريين بغض
النظر عن الدين أو اللون أو الجنس هو شرط ديمقراطي ضروري
ومطلوب؟ أم أنه يؤدي إلي استبعاد أو منع قوة من قوي الحركة
السياسية من التواجد السياسي؟.
كانت هذه هي بعض الملاحظات السريعة علي هامش مقال الصديق
الدكتور حسام إبراهيم سعدالدين، لعلها توضح ما أعتقد أنه
إشكاليات حقيقية في مسألة الإخوان والديمقراطية ومستقبل
مصر، مع خالص تقديري واحترامي.