يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1242 (24 - 31) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

هيكل.. وأبوالحديد.. والمرسيدس!

 
 

محمد فهمي

 

 
لم نسمع أن القيادة السياسية.. اصطحبت معها.. علي متن طائرة الرئاسة مجموعة من علماء مصر!.
الحكايات التي يرويها محمد حسنين هيكل.. علي شاشة قناة «الجزيرة».. عن مشواره في بلاط صاحبة الجلالة
.. وقعت في أربعينيات القرن الماضي.أيام الإنجليز.. والبغاء.. والملك.. والوفد.. والنحاس.. ومكرم عبيد.. والصراع بين الأحزاب.. وبين الأحزاب والسفارة البريطانية.. إلخ.
كلام مهم يشد انتباه الأجيال الجديدة في العالم العربي.. ولكن الأهم.. هو الصورة الجانبية التي يقدمها هيكل عن الوسط الصحفي في تلك الأيام.
أيام الاستعمار والإنجليز والقصر.. والبغاء.. إلخ. في تلك الأيام.. لم تكن الحكومة تمتلك الصحف.. ولم تكن تصدر القرارات ليصبح المواطن صحفيا.. بجرة قلم.
ولم يكن الصحفي يدين بوجوده علي وجه الأرض.. للسلطة السياسية في البلاد.. التي تمنح.. وتمنع.. وتدلل.. ولكنه كان يدين بوجوده لموهبته وللقراء!.
لك قاريء.. تصبح صحفيا!.
ليس لك قراء.. تصبح باحثا عن مهنة!.
وفهمنا من كلام هيكل.. أن أستاذه فيليب حنين رئيس قسم الشئون الداخلية بصحيفة «إيجبشيان جازيت» التي كان يعمل بها في بداية مشواره الصحفي.. كان يقوم بنفسه بتغطية جلسات مجلس النواب.. ويتابع المناورات الحزبية.. ويراقب كل كبيرة وصغيرة كي ينقلها للقراء.. فتبدو الإيجبشيان جازيت «التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية».. علي نفس مستوي الصحف الكبيرة التي كانت تصدر باللغة العربية في تلك الأيام.
وكانت السيدة روز اليوسف.. هي التي تقوم بنفسها، بالتغطية الصحفية.. لمجلتها «روز اليوسف».. وكانت تستطيع أن تبعث بأحد المحررين للقيام بهذا العمل.
وكان الأستاذ كامل الشناوي.. الكاتب العملاق.. هو الذي يقوم بالتغطية الصحفية لجلسات النواب.. لصحيفة «الأهرام».
بمعني أن عمالقة الصحافة.. هم الذين يخرجون من المكاتب للجري وراء الأخبار.. فالصحافة لا تعرف المناصب.
هذه واحدة.
الثانية.. أن العلاقة بين الصحفيين.. كانت تتسم بالود.. ولم تكن تكتنفها الرغبات الجامحة للانتقام.. والتشفي.. وإهدار كرامة الزملاء.. كلما استطاع، أحدهم، إلي ذلك سبيلا.
المنافسة بين الصحفيين «أيام البغاء».. كانت شريفة.. ولعلنا نذكر أن روزاليوسف.. عينت أحمد بهاءاالدين رئيسا للتحرير في «روز اليوسف» كي ينافس ابنها وفلذة كبدها.. إحسان عبدالقدوس!.
لم تحاول القضاء علي قمم الصحافة.. حتي يبدو أنها.. هي القمة الوحيدة علي الساحة.. بل إنها كانت القوة الدافعة.. وراء العديد من القمم التي أثرت العمل الصحفي.. ورفعت من شأن الصحافة والصحفيين.
وكان المفروض وفقا لمقاييس اليوم.. أن تشن الحرب الشعواء.. لإذلال أرباب المواهب.. حتي تخلو الساحة للصديقات والخليلات.. وما شابه ذلك.. وفقا لما نشهده الآن.
لم تكن روز اليوسف.. تتوجه لمجلس النواب بسيارة «شبح» وفرتها لها الدولة من أموال دافعي الضرائب. ومن المؤكد أن كامل الشناوي كان يتوجه لمجلس النواب بالترام.
والمؤكد أيضا أن فيليب حنين رئيس قسم الأخبار الداخلية بالإجيبشيان جازيت.. كان يتوجه لمجلس النواب سيرا علي الأقدام.. وبجانب الأستاذ هيكل.
لم تكن للأستاذ فيليب سيارة «شبح».. وبالتالي فلم تكن لنجله الدكتور فؤاد حنين سيارة تنقله من المستشفي اليوناني الدي يعمل به إلي منزله في شارع العجمي بمصر الجديدة.. كما يحدث هذه الأيام.. فضلا عن التحركات الليلية!.
كان الدكتور فؤاد حنين.. ابن فليبب حنين.. يكابد الحياة كطبيب في المستشفي اليوناني بالعباسية.. ولم تكن الصحافة قد عرفت في تلك الأيام استثمار الأقلام الصحفية.. لتعيين الأبناء في المناصب الأكاديمية العليا.. وفي مواقع السلب والنهب.
لم يكن أبناء كبار الصحفيين يتنقلون بالسيارات.. علي الإطلاق.. لأن المهنة لم تكن تسمح بذلك!.
بل إن كبار الصحفيين لم يستقلوا السيارات.. إلا من أموالهم الخاصة!.
أريد أن أقول.. إن الحكايات التي يرويها هيكل.. جاءت في وقت.. تبدو فيه المقارنة بين صحافة زمان.. وصحافة هذه الأيام.. صارخة.. وفاضحة!.
والمشاهد لحكايات هيكل يستطيع.. ربما للمرة الأولي بمثل هذا الوضوح.. أن يري الفارق الشاسع والهوة السحيقة بين صحافة زمان وصحافة زمن الحزب السرمدي.. الزمن الأسود!.
زمان كانت هناك صحافة.. بلا سيارات!، مرسيدس.. أما الآن فهناك سيارات مرسيدس.. بلا صحافة.
زمان كان الصحفي يقضي حياته.. جريا وراء الأخبار!.
الآن يقضي الصحفي حياته.. بين الجاكوزي والتحركات الليلية!.
قضي الزميل محمد أبوالحديد 38 سنة.. يعمل محررا بجريدة الجمهورية.. الجريدة التي أسستها الثورة سنة 1953 لتتحدث بلسان حالها.
وطوال هذه السنين.. لم يكن يستخدم سيارة المؤسسة «القومية».. ولم يكن له سيارة تنقله من بيته إلي مكان عمله!.
كان يستقل المواصلات العامة.. ويلتحم مع الركاب.. ويشاركهم السنتيمترات الباقية من أرض الأتوبيس.. وينحشر وسط عباد الله.. المكدوحين.. المنهوبين.. الذين لا يجدون ما يأكلون إلا بشق الأنفس.. مثل كل البسطاء.. من أمثالنا!.
ركاب أشبه بالعبيد في سيارات التراحيل في دولة عنصرية.. حيث تختفي آدمية الركاب.. وتختفي ملامح أقدام كل عبد.. للعبد الآخر!.
وبينهم يقف الزميل أبوالحديد.. يحتضن قلمه.. يضرب المثل علي الأوضاع المقلوبة.. إلي أن أصبحت له سيارته الخاصة.. من مدخراته.. يتنقل بها من مكان عمله إلي عنوانه المسجل في البطاقة العائلية.
ومرت الأيام.
وصدر قرار بأن يتولي رئاسة مجلس إدارة المؤسسة الحكومية الكبيرة.. دار التحرير.. للطبع والنشر.
ويقول الزميل محمد أبوالحديد:
فجأة.. وجدتهم يقدمون لي سيارة «مرسيدس» فاخرة.. هي الأرقي بين كل سيارات المؤسسة ويقولون لي:
هذه سيارتك من اليوم.. سيكون السائق تحت أمرك في كل تنقلاتك!.
قلت وقد أصابني الذهول «الكلام لا يزال للزميل أبوالحديد»:
في دولة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة.. وفي مؤسسة لها نفس الوضع.. لا أستطيع أن أستقل هذه السيارة!.
قالوا: هذه سيارة رئيس مجلس الإدارة.. نحن لم نشترها لك.. إنها موجودة من قبلك.. وإذا لم تستخدمها فلن يركبها أحد.. لأن ذلك لا يجوز.. ويمكن أن تتدهور حالتها من «الركنة».
قلت «والرواية لاتزال علي لسان الزميل أبوالحديد»:
- بيعوها.. ونستفيد بثمنها في شراء سيارات شعبية لاستخدام الزملاء المحررين!.
قالوا: لن نجد مشتريا.. وإذا وجدنا فبنصف ثمنها.
قلت: رجال الأعمال كثيرون.. وعشاق الفخامة أيضا.
قالوا: الكبار منهم لا يشترون السيارات المستعملة.. والصغار إذا اشتروها.. أمعنوا في الفصال.
المهم أن حوار الزميل محمد أبوالحديد رئيس مجلس الإدارة الجديد.. مع كبار مسئولي الإدارة.. انتهي إلي أن أصدر تعليماته بأن تختزل مهمة السيارة في توصيله من البيت إلي مقر الجريدة.. ورفض أن تبقي السيارة تحت الطلب طوال ساعات الليل.. في انتظاره أمام بيته.. بسائقها.. وحراسها.
كل ذلك لا يهم.
المهم هو السطور التالية:
يقول الزميل أبوالحديد:
كل صباح تقف السيارة الفاخرة علي بابي.. أنزل سلالم بيتي.. لا أستطيع النظر في عيون المارة.. أمام البيت وأنا أتجه إليها خجلا.. وعندما ألقي بنفسي علي مقعدها الخلفي.. أشعر أنني أرتكب ذنبا.. وأستغرق في قراءة «الأوراد» طوال الطريق وأطلب من الله المغفرة.
وعندما تعيدني في المساء إلي البيت.. يسألني زميلي السائق:
- هل توجد «تحركات» ليلية؟!.
وأرد عليه كاذبا:
- لا توجد!.
وأشعر وأنا أغادرها وأصعد سلالم بيتي بأنني تحررت من هم ثقيل.
انتهت رواية الزميل محمد أبوالحديد.. الذي أحترم قلمه.. قبل هذه «الواقعة» وبعدها.. لسبب بسيط.. هو أنه يتجه بكتاباته للقراء.. وليس جريا وراء تربيطات أو لعقا لأحذية الحكام.
ويا لهم من حكام!.
السيارة «المرسيدس» المخصصة لتنقلات رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية الحكومية هي رمز لكل سيارة مرسيدس في مصر!.
هي السيارة التي يمكن من خلالها كتابة تاريخ 24 سنة من الحياة السياسية في ظل الحزب السرمدي!.
تاريخ انحياز السلطة السياسية لكل ما هو زائف وسطحي وتافه.
رئيس المجلس القومي للبحوث.. لا توفر له الحكومة سيارة ثمنها مليون وربع المليون من الجنيهات!.
رؤساء الجامعات.. والعلماء.. وأساتذة البحث العلمي.. والكفاءات النادرة.. ورؤساء مجالس مراكز البحوث الزراعية.. وعلماء الطاقة النووية.. إلخ.. لا توفر لهم الحكومة السيارات الفارهة.. التي تقف بسائقها علي الأبواب في انتظار «التحركات الليلية».
وفي الوقت الذي يتحرك فيه رئيس المؤسسة الصحفية بسيارة ثمنها مليون وربع المليون من الجنيهات نشرت الصحف.. أن عميد كلية الهندسة جامعة الأزهر.. لقي مصرعه.. وابنه في حادث سيارة وقع في بني سويف.. عندما كان يستقل سيارة أجرة «ثمانية راكب»!.
كان العالم المصري يتحرك بسيارة أجرة «تمانية راكب».. كأي عالم في أي فرع من فروع المعرفة يعيش علي أرض مصر.. بينما يتحرك رئيس المؤسسة الصحفية في نفس البلد بسيارة «شبح» ثمنها يزيد علي المليون جنيه.. علاوة علي سيارة «شبح» أخري للمدام.. وفي مؤسسة أخري كانت هناك سيارات خاصة لتنقلات الأنجال.. ولاسيما «التحركات الليلية».
ودافع الضرائب في مصر هو الذي يتحمل ثمن السيارة التي يتحرك بها المسئول الصحفي.. كما يتحمل المرتب الذي يمنحه نفس المسئول لنفسه شهريا.. والذي يصل إلي 150 ألف جنيه في الشهر.. علاوة علي بدلات السفر والتنقلات الخارجية التي تبلغ حفنة من الدولارات عن كل ليلة يقضيها في فندقه.
دافع الضرائب.. الذي يقف في طوابير الخبز.. ويعاني المواصلات العامة والمستشفيات العامة ومن الاكتئاب العام.. يدفع تكاليف السيارات «الشبح» التي تدلل بها الفئة المنتقاة نفسها.. بتفويض من الدولة.. باعتبارهم من رجال الرئيس.
إنهم رجال الرئيس.. الذين يصحبهم علي متن طائرة الرئاسة.. ويصافحهم.. ويرفع الكلفة بينه وبينهم.. ويعرضون عليه «ماكيتات» المباني العملاقة ليبدي آراءه الهندسية فيها، قبل أن يباركها.. وقبل أن تجد العمولات طريقها إلي أصحاب القسمة والنصيب!.
لم نسمع أن القيادة السياسية.. اصطحبت معها علي متن طائرة الرئاسة.. مجموعة من علماء مصر.. النخبة في مجالات العلوم المختلفة.
لم نسمع أن اصطحب أساتذة الجامعات ليناقشهم في كيفية النهوض بهذه الأمة.
رجال الرئيس.. كانوا صورة للأوضاع المقلوبة التي أدت بنا لدخول انتخابات سنة 2005.. ونحن لا نختار المرشحين بالأسماء.. وإنما بالرموز.
بعد 24 سنة من انفراد الحزب السرمدي بالسلطة المطلقة لاتزال الغالبية العظمي من أبناء هذا الشعب.. لا تفرق بين مرشح وآخر.. إلا بالرمز الذي يحمله.
رمز الهلال.. ورمز النخلة.. ورمز الفانوس.. إلخ.. وكلها من الرموز التي تعني انحياز القيادة السياسية للشبح.. وليس للشعب.
انحيازها لكل ما هو تافه.. وسطحي.
وبالمناسبة نحن لسنا ضد.. أن يستقل الصحفي الحكومي سيارة فارهة.. أو تكون للمدام سيارة علي نفس المستوي.. أو أن يكون للأبناء سيارات مصرية التجميع تنقلهم للمدارس.. أو أن تكون له سيارات «شيروكي» لحراسته من عيون المارة.
لسنا.. ضد هذه المظاهر.. إذا كانت صحف الحكومة تحقق الأرباح أو تدفع للدولة ما عليها من ضرائب وتأمينات.. ولكن الحادث أن أموال البذخ.. تستقطع من ميزانيات مؤسسات مفلسة.. ومدينة.. وعاجزة عن سداد التأمينات والضرائب والجمارك!.
مؤسسات لا تدفع المرتبات اللائقة للمحررين.
هي تدفع «كشوف بركة» لمن يرضي عنهم رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية.. وكي يكيد لمن يترددون في لعق حذائه.
تدفع من الأموال العامة.. من أموال هذا الشعب البائس.
فلو أن المؤسسات الصحفية الحكومية تحقق الأرباح التي تسمح باقتناء السيارات وتوزيعها علي «المدامات» والأنجال.. فما العيب في ذلك؟!.
المشكلة أن هذه المؤسسات تحقق الخسائر يوميا.. وتحاول تعويض هذه الخسائر بالمضاربة علي الأراضي وإقامة محطات صيانة السيارات والأكاديميات.. وتجارة الدواء.. والوساطة لدي الفنانين لإقامة الأفراح!.
بمعني أن أموال المؤسسات الحكومية ناجمة عن فشل مهني وليست ناجمة عن نجاح يحقق للنظام السياسي السمعة الطيبة بين الناس.
فلا صحف الحكومة تحقق الأرباح.. ولا هي تؤدي «رسالة».. والدليل علي ذلك أن النظام السياسي يصدر نحو 30 مجلة.. لا يزيد توزيعها مجتمعة عاي 120 ألف نسخة!.
فلا هي حققت الأرباح.. ولا هي دافعت عن «رسالة»!.
يضاف إلي ذلك قضية أخري.. تتلخص في أن أي مؤسسة علمية في مصر.. كالمركز القومي للبحوث، مثلا.. إذا أراد المسئول فيها اقتناء جهاز كمبيوتر.. فإن عليه المرور بإجراءات بيروقراطية بالغة التعقيد.. تصل إلي حد الحصول علي موافقة رئيس الوزراء شخصيا!.
أما رئيس المؤسسة الصحفية الحكومية فيكفي أن يوقع خطابا في مكتبه.. تصله السيارة «الشبح» بعد ساعات.. وبلا مرور.. لا علي مجلس الإدارة.. ولا علي أي جهاز رقابي في الدولة.. باعتباره من رجال الرئيس.
رجال الرئيس.. علي رأس كل واحد منهم ريشة!.
أيام البغاء.. لم تكن الصحافة علي هذا المستوي من التدهور.
كانت صحافة.. شريفة!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة