يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1242 (24 - 31) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

علي طريقة «افتح يا سمسم»!

 
 

رءوف توفيق

 

 
من يستمع إلي وعود المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية.. سيتصور أن مصر ستغطيها أنهار اللبن والعسل في الشهور القليلة القادمة. فبعض هؤلاء المرشحين يتكلمون بثقة شديدة كما لو كانوا يملكون مفاتيح حل جميع المشاكل المستعصية التي نعاني منها.. وقد أعدوا الخطط وصاغوا القوانين.. وشكلوا الوزارة.. وحددوا أسماء الوزراء!
كل شيء بالنسبة لهم جاهز للعمل.. وما عليهم إلا أن يقفوا علي باب المغارة في انتظار ساعة الصفر في يوم 7 سبتمبر القادم.. ويهتفوا: «افتح يا سمسم» فتنفتح أبواب المغارة عن كنوز الذهب والياقوت والمرجان! ونظل نغرف منها بقدر ما نستطيع.. ونأكل ونشرب ونلبس ونرقص، حتي نسقط من فرط النشوة والمتع بين أيدي الجواري الحسان!!
أحلام وأوهام كاذبة.. لأنها قامت علي وعود كاذبة..
فمغارة علي بابا لم تعد موجودة.. وكلمة السر لم تعد «افتح يا سمسم».. أما تلال الذهب والياقوت والمرجان فلم يعد في إمكاننا تخيل شكلها إلا من خلال رسوم حكايات ألف ليلة وليلة.. إذا كنا حتي نتذكرها!!
فالمشاكل المتراكمة منذ سنين طويلة لا يمكن تفكيكها ونسفها بين يوم وليلة.. أو علي مدي شهور طويلة.. لأن هذه المشاكل أصابت البنيان الاجتماعي ككل.. ووصلت إلي الجذور في التربة المصرية وسممت الشخصية المصرية،، وعرضتها لنوبات اللامبالاة والتسطيح والغيبوبة وعدم الانتماء..
وإذا كنا نعيش حاليا في فترة انتخابات الرئاسة.. جواً ساخناً من تصادم الآراء بين النفاق الشديد، والغضب الشديد.. فلا يمكن أن يكون البديل الذي نستند عليه.. من يقف ليبيع لنا الوهم.. بالقضاء علي البطالة نهائيا.. وصرف الإعانات.. وزيادة المرتبات.. وبناء ألوف المساكن الجديدة.. وحماية الأرامل والمطلقات وتزويج العوانس.. والحياة حيبقي لونها بمبي.. والهتاف علي طريقة باعة الأرصفة.. «بص شوف أنا حا أعمل إيه.. انتخبوني تجدوا ما يسركم».!
هذا الأسلوب ربما كان يصلح من قبل في انتخابات المجالس المحلية.. وانتخابات مجلسي الشعب والشوري مع كورس الزفة البلدي بالميكروفونات واللافتات والرشاوي لشراء أصوات الناخبين.. ولكن هذا الأسلوب لا يصلح بالتأكيد في انتخابات رئيس الجمهورية.. لأن هذا المنصب يعني أولا وأخيرا قيادة دولة.. وإذا كانت الدولة بحجم مصر ومكانتها.. فإن المسئولية أكبر وأخطر.. لأننا نتعامل مع عالم لا يعترف إلا بالأقوياء اقتصاديا وسياسيا..
وبهذا المنطق تعالوا نحاسب بعض المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية.. والذين يواصلون يوميا إمطارنا بالوعود وهم يقفون علي باب مغارة علي بابا.. ويواصلون النداء «افتح يا سمسم»!! تعالوا نحاسب برامجهم السياسية والاقتصادية لإصلاح الأوضاع.. ونتساءل بحق علي أي أسس علمية خططوا لهذه البرامج.. وهل هناك رؤية متكاملة لكل الظروف المحلية والعالمية.. أم أنها مجرد برامج إنشائية تعتمد علي العبارات التي يرددها رواد المقاهي في جلسات الكلام والفضفضة.. ثم يمضي كل واحد إلي حال سبيله، ليكرر نفس الكلام في اليوم التالي..
بصراحة شديدة.. المسألة لا تحتمل الهزل.. ولا تحتمل تصفية الحسابات.
وإلا كنا مثل شخصية مستر شانس.. التي ابتدعها فيلم أمريكي ساخر يحمل عنوان «أن تكون هناك».. أي أن تكون داخل طبقة رجال المال والأعمال.. قريبا جدا من السلطة ورجال الحكم.. حينئذ يمكن أن تكون شخصا مهما وخطيرا للغاية.. حتي ولو كنت لا تعرف أي شيء في الدنيا.. حتي القراءة والكتابة لم تتعلمها!!
والفيلم لا يعدو أن يكون مجرد نكتة.. ولكنها نكتة مدتها ساعتان وعشر دقائق.. يتدفق فيها الخيال الساخر من موقف إلي آخر.. وكأنك أمام أبرع رسامي الكاريكاتير وهو يغزل فكرته في إناقة وفن.
ومستر «شانس» .. يلعب الدور بيتر سيلرز.. رجل تعدي الخمسين عاش طوال حياته يرعي حديقة تلك الفيلا التي يمتلكها رجل عجوز وحيد.. وتتولي امرأة سوداء مسئولية رعاية الفيللا وإعداد الطعام.. وفي هذه الفيلا هناك حجرة مخصصة لمعيشة ونوم هذا الجنايني الصامت غالبا.. وهوايته الوحيدة هي مشاهدة التليفزيون.. إنه عالمه الخاص به.. عالم صنعه التليفزيون ولا يستطيع الانفصال عنه حتي عندما يأتيه خبر وفاة صاحب الفيلا.. وما يترتب علي ذلك من إنهاء خدمته في هذه الفيلا التي أصبحت معروضة للبيع.. أنه يتعامل مع الأمر ببرود شديد.. فقد أصابه التليفزيون بالتبلد والانفصال عما يحيط به من أحداث.. ينظر لكل ما حوله بعيني طفل.. وبإدراك ناقص.. وإن كان محتفظا بكل براءته ونقائه وبساطته التلقائية المذهلة.
يحمل حقيبته ويخرج إلي الطريق.. إنه الآن بلا مأوي.. وبلا عمل.. ويعبر الشوارع في هدوء.. وتتضح معالم المدنية.. إننا في واشنطن..
وأمام فاترينة تعرض بعض أجهزة التليفزيون.. يقف مشدوها.. إنها متعته الكبري والوحيدة.. ويكتشف ما هو أغرب.. أنه يري نفسه علي شاشة التليفزيون! ونفهم نحن أنها أحد أساليب الدعاية عن دائرة تليفزيونية مغلقة تصوب كاميراتها علي المارة في الطريق.. فيرون أنفسهم علي الشاشة التليفزيونية الموجودة داخل فاترينة المحل.
والمسألة تستهويه تماما.. إنه يتحرك علي الرصيف أمام المحل لكي يري نفسه بوضوح علي الشاشة.. وينزل بضع خطوات في الطريق؛ فالصورة في هذا المكان أفضل.
ولكن في هذه اللحظة تتراجع إلي الخلف إحدي السيارات الفارهة الواقفة بجوار الرصيف لتصدم ساقه صدمة خفيفة.. ويتأوه من الألم.. ويهبط سائق السيارة الفارهة ليتحقق من إصابته.. ونري داخل السيارة هذه السيدة الأنيقة «تلعب الدور الممثلة شيرلي ماكلين» التي تسرع هي الأخري لتري ما حدث.. وتعرض عليه في إصرار أن تذهب به إلي المستشفي لإجراء الفحص اللازم.. ولكنه يعتذر لها بأن الإصابة خفيفة.. فتقترح السيدة أن تذهب به إلي بيتها.. فهناك طبيب مقيم لرعاية زوجها المريض ..ومن الأفضل أن يراه الطبيب في البيت بدلا من المستشفي..ويهز رأسه موافقاً.
تسأله هي عن اسمه.. فينطق اسمه مصحوبا بمهنته «شانس جاردنير» .. أي شانس الجنايني.. ولكنها تلتقط اسمه علي أن كلمة «جاردنير» هو لقب العائلة.. وتكرر الكملة كأنها تريد أن تتذكر عائلة تحمل هذا اللقب.. ولا تشك للحظة أنه مجرد جنايني.. وإن هذا هو عمله.. وليس اسمه.. فمظهره الأنيق بملابسه الكاملة.. ووقاره.. وسلوكه المهذب.. وصوته المنخفض.. يوحي بأنه من صلب عائلة كبيرة!
وتدلف السيارة الفارهة.. إلي البيت.
أنه ليس بيتا..بل قصرا فاخرا.. تحيطه الحدائق الشاسعة.. وأمام مدخل القصر اصطف الخدم في الانتظار.. وأحدهم يمسك بمقعد متحرك.. فقد تم إبلاغهم بتليفون السيارة أنهم يحملون معهم مصابا في ساقه.. وها هم قد استعدوا بكل شيء!
ويدخل مستر شانس إلي ردهة القصر، مدفوعا علي مقعده المتحرك، تحيطه الرعاية البالغة واهتمام لا حدود له.
إنه يدخل إلي حياة جديدة ومثيرة.. داخل قمة طبقة الأغنياء أصحاب النفوذ!
فصاحب هذا القصر.. هو ذلك العجوز المريض، الفاحش الثراء، صاحب النفوذ السياسي الهائل بحكم قوته الاقتصادية.. فهو يدير عملياته التجارية من فوق سرسر المرض ومن خلال أجهزة كومبيوتر متعددة.. وهو يعيش في هذا القصر مع زوجته، ولا أولاد لهما.. تخدمهما مجموعة هائلة من الحاشية.. وهناك طبيب مقيم يشرف علي صحته.. ثم أصبح مسئولا أيضا عن صحة «مستر شانس» والذي يقرر إن إصابة ساقه تستلزم الرعاية الصحية لعدة أيام.
وعندما يسألون «مستر شانس» هل يمانع في البقاء هنا لعدة أيام.. يهز رأسه بالنفي.. وهو لا يوافق طمعا في البقاء داخل هذا المكان الفاخر.. وإنما إعجابا بعدد أجهزة التليفزيون الموجودة في كل مكان بالقصر!!!
وصاحب القصر يرحب به ويناديه بالاسم الذي نقلته إليه زوجته «شانس جاردنير» ويعامله كأنه أحد كبار القوم.. فالطريقة التي يتحرك بها «مستر شانس» توحي دائما بالوقار والهيبة.. وطريقته البطيئة في الكلام توحي أيضا بأنه شديد العمق.. شديد الحكمة!!
ويعطيه صاحب القصر كل ثقته وإعجابه منذ اللحظة الأولي التي رآه فيها.. وازداد إعجابه به عندما استضافه علي مائدة العشاء الفاخرة.. وسأله عن مشاريعه.. فأجاب مستر شانس ببساطته التلقائية.. أنه يريد أن يعمل في الحديقة هنا..!
ويندهش صاحب القصر من الإجابة.. ولكن الزوجة تهلل إعجابا «كم هو جميل أن تعمل وسط الزهور.. وأن تنمو الأشياء بين يديك».
وهكذا تحول هذا المطب الحقيقي.. إلي نوع من الفلسفة الجديدة.. أو رومانسية رجال الأعمال!
وهو لا يخدع أحدا.. ولا ينكر مهنته.. ولكنهم يفسرون كلمته تفسيرات مختلفة.. فرجل بمثل هذا الوقار والحكمة.. لابد أنه يعني أشياء عميقة!
وتأتي ذروة الفيلم عندما يعلن عن زيارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلي صديقه صاحب القصر، ليطمئن علي حالته الصحية.
وتدب في القصر حركة غير عادية.. فهناك رجال المخابرات الذين يشرفون علي إجراءات الأمن.. بينما صاحب القصر يجلس مع صديقه مستر شانس يتبادلان حديثا في ود كأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات طويلة!
ويزداد إيقاع الحركة في الخارج.. فموكب الرئيس يقترب من مدخل القصر.. ويأمر صاحب القصر حاشيته بأنه سيستقبل الرئيس في حجرة مكتبه.. ويصر صاحب القصر علي أن يتكيء علي ذراع صديقه مستر شانس وأن يدخل معه لمقابلة الرئيس.
ويفاجأ الرئيس بهذا الضيف.. وتبدو عليه علامات الضيق فهو يريد أن ينفرد بصديقه رجل المال القوي، الذي جاء لزيارته طمعا في نصيحته حول الخروج من المأزق الاقتصادي الذي تمر به البلاد!
ولكن صاحب القصر يوحي للرئيس بأنه يرحب بمشاركة صديقه مستر شانس في هذه الجلسة.. ويبدأ الرئيس حديثه عن الأزمة الاقتصادية.. ويطلب صاحب القصر من صديقه مستر شانس أن يقول رأيه.. وبهدوء شديد، وبمنتهي الثقة، وبكلمات بطيئة الإيقاع يتكلم مستر شانس فيقول:
في الحديقة.. النماء له فصول.. هناك ربيع وصيف.. ولكن هناك أيضا خريف وشتاء.. ثم ربيع وصيف مرة أخري.. وطالما كانت الجذور سليمة.. فكل شيء مطمئن.. وكل شيء يصبح جيدا في الحديقة»!
هكذا تكلم مستر شانس.. حكمة جناينية لا علاقة لها إطلاقا بالاقتصاد.. ولكن هذه هي كل معلوماته في الحياة!
المفاجأة المذهلة.. أن وقع هذه الكلمات التي نطقها مستر شانس.. جعلت الرئيس الأمريكي وصديقه صاحب القصر، رجل المال القوي.. يهزان رأسيهما في تمعن شديد.. فالكلمات توحي بمعان كثيرة.. وينهض الرئيس مودعا مستر شانس بحرارة.. ثم يطلب من رجاله - وهو مازال داخل القصر - كل المعلومات عن مستر شانس جاردنير!
ويظهر الرئيس الأمريكي في التليفزيون.. يتكلم بامتنان شديد عن الفلسفة العميقة التي سمعها من مستر شانس جاردنير.. هذه الفلسفة التي أضاءت له الطريق لمواصلة العمل ويردد الرئيس الأمريكي ما قاله مستر شانس، كلمة كلمة!
وفي تلك الليلة.. أصبح مستر شانس.. أهم شخصية في أمريكا..
تتسابق الصحف علي معرفة من هو مستر شانس جاردنير.. وتبوء كل محاولاتهم بالفشل لأنه اسم غير متداول وليس له سجل بيانات..
وأشهر برنامج تليفزيوني في أمريكا يطلب من مستر شانس إجراء مقابلة تليفزيونية معه ويظهر مستر شانس في التليفزيون ليواجه أخطر معلق تليفزيوني.. بينما مستر شانس يجيب علي الأسئلة المهمة بكلمات عن الأرض.. والزرع.. والشمس.. والبذور!.
ويصفق له الجميع إعجابا.. إنه يتكلم بلغة جديدة، توحي بالرموز والمعاني العميقة.
لقد طلبوا منه أن يتكلم.. فتكلم.. ولأنه بلا تاريخ.. وبلا ثقافة.. وبلا أي خبرة سوي خبرة العمل في الحدائق.. فقد قال ما يعرفه.. ولكن عندما سمعه الناس فوجئوا به وبكلماته ورسموا في مخيلتهم أنهم أمام عالم خطيرا وفيلسوف آثر الصمت والعزلة حتي اكتشفوه مؤخرا..
وتأتي لحظات النهاية.. باحتضار هذا المليونير ووصيته الأخيرة لصديقه مستر شانس أن يرعي زوجته.
ها قد آلت إليه..الثروة والزوجة والقوة..
وطبيب ذلك المليونير الذي شهد دخول هذا الضيف إلي القصر وما حدث بعد ذلك ويتوصل إلي حقيقة مستر شانس ويواجهه بها: «إنك جنايني».. ويرد مستر شانس بثقة وهدوء «نعم أنا جنايني».. إنه لا يكذب أبدا.
ولكن ماذا تفيد الحقيقة الآن؟ ها هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يشيع جنازة صديقه المليونير.. بينما كل العيون متجهة إلي «مستر شانس» المرشح الجديد للثروة وللسلطة!!
هذا هو فيلم «أن تكون هناك» للمخرج الأمريكي الشهير «هال آشبي».
وبقدر الإدانة الكاملة التي يوجهها الفيلم.. إلي تأثير التليفزيون علي الإنسان العادي والدور الخطير الذي يلعبه في تسطيح المعلومات وعزل الإنسان عن الحياة.. فإن الفيلم أيضا يدين الذين صدقوا «الوهم» وحاولوا أن يجعلوه حقيقة يتعايشون معها دون تفكير أو تعمق.
وما أخطر باعة الأوهام الذين يبحثون عن مغارة علي بابا.. ليهتفوا في اشتياق بالغ «افتح يا سمسم»!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة