يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1242 (24 - 31) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

برنامج مبارك

 
 

بين السلام الاجتماعي و«الثوار الجدد»!

 
 

مصباح قطب

 

  أدمنت الدولة المصرية بعد يوليو 1952 سياسة «الخلف خلاف» وأعني بها السير في هذا الاتجاه السياسي، أو ذاك «يساري.. يميني .. وسطي .. متطرف.. قومجي.. قطري» من دون الاستعانة بالقوي الاجتماعية لهذا الاتجاه في السلطتين التشريعية والتنفيذية أو في دوائر صنع القرار الحقيقية، وتظل هذه القاعدة صحيحة رغم بعض النتوءات ولم تستطع أبدا القوي التي ساندت أي توجه مما أشرنا إليها أن تشعر في أي لحظة بأن مفاتيح اللعبة بيدها لتكمل برنامجها حتي تمكن محاسبتها، ولذلك ظلت كل الفرق تتحسر علي أنها لم تأخذ فرصتها أبدا لتطبيق أفكارها أو أيديولوجيتها رغم تقلب الدولة علي كل الأيديولوجيات طوال تلك الحقبة.. وفي أوقات كثيرة كان صانع القرار المصري يختار طريقا للسير فيه، ثم يعمد إلي التنغيص علي من أوكل إليهم مهمة التنفيذ بقوي وعناصر هي أبعد ما تكون عن الإيمان بهذا الطريق وظنا منه أحيانا أن ضرب هذا بذاك، هو الوسيلة المثلي للحكم وللسيطرة علي المعلومات وعلي الجميع، وأحيانا أخري كان صاحب القرار يفضلها «عشوائية» أو «خلطبيط» لأن هذه هي حدود التصورات القائمة لدي التحالف البيروقراطي المحيط به، والمساند له، وقد ظلت الاتجاهات السياسية المصرية المعارضة، تعافر لتحيا في هذا المناخ رغم كل شيء، وعاشت لحظتي ازدهار بارزتين هما الفوران المؤدلج في سنوات ما قبل نهاية السادات والصحوة الكبري التي رافقت ما قبل انتخابات 1984، والتي أنطفأت جذوتها تماما في انتخابات 1987، حيث تأكد أن التزوير في الأولي لم يكن مصادفة وإنما هو اختيار وقرار للحاكم حسني مبارك الذي لم يمارس السياسة يوما، ووضع نصب عينيه كما تبين لاحقاً تدمير العملية السياسية تحت ستار إقامة حوارات ظل واتصالات جانبية تعطي مؤشراً بأن النظام «الوطني» يبحث عن «وفاق وطني» يحفظ مصالح البلاد العليا، وقد أدي هذه الخدمة للنظام فريقان أولهما كلاسيكي، ويقوده رجل الاقتدار العقيم الوزير صفوت الشريف «قدرة فذة علي تأمين السير في المحل» والآخر حداثي وقاده عدد من الأساتذة والخبراء من ذوي الأصول الشعبية الذين شدتهم أضواء و«مغانم» السلطة، ويمكن أن نقول إن د. علي الدين هلال كان أبرزهم، مضت الدولة المصرية علي عادتها، وأدي غياب الجدل السياسي إلي سيطرة شبه كاملة لليمين البيروقراطي علي السلطة والقرار متقاسما الثروة مع مجموعة من أهل البيزنس والتجارة والتوكيلات لكن في اللحظة الراهنة تحديدا يحدث العكس؛ فالذي فشلت فيه كل القوي السياسية نجح فيه أخيرا اليمين الجديد الذي سرعان ما وجد في جمال مبارك نجل الرئيس بغيته فالتف حوله من داخل وعلي حواف الحزب الوطني والقصر الرئاسي وبعض الملحقات الأخري مثل جمعية المستقبل والمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وصوب كل مدفعيته، حتي يجبر الدولة علي التخلي عن فلسفة «الخلف خلاف» وعلي أن تعلن أنها ستمضي علي طريق اليمين العولمي، وتستعين بقوي اليمين العولمي صافية بالفعل لا ينازعها في السلطة السياسية أحد كانت هنالك بعض المعاناة والإحباط، لكن اللحظة التي استطاع فيها هذا الفريق أن يوصل أستاذ التسويق والتطرف اليميني الساهي د. عاطف عبيد إلي رئاسة الحكومة كانت لحظة حاسمة تشبه في معني من المعاني نجاح محمد نجيب في انتخابات نادي الضباط وسرعان بعدها ما انتقلت مفاتيح الثقل والقرار إلي أيدي «الجماعة» خاصة بعد أن دانت لهم السيطرة علي الشرايين الأساسية للاقتصاد وللمال، وحين يعلن الرئيس مبارك اليوم برنامجه الانتخابي يجب أن نفتش فيه عن انحيازات هذا اليمين واختياراته والشبكة المحلية والدولية التي يريد أن يوسع قاعدتها ليحكم بها ومعها السيطرة علي البلاد؛ مبارك الموظف المجتهد البطيء والحذر المحافظ اجتماعيا لم يكن موجودا بالمطلق فيما أعلن ولا حتي في أسلوب الإعلان عنه «بدا في صورة الدعاية بالقميص والكرافت وكأنه قائد طائرة الرحلة المتوجهة إلي.. أو أحد موظفي بنك باركليز» وقع مبارك وسيوقع معه الدولة في قبضة «الماركتنج» وفي قبضة «الضباط الأحرار الجدد» الأفضل تعليما ولا شك والأكثر جرأة واندفاعا وانفتاحا علي القوي العولمية، ولم يعد باستطاعته أن يمارس لعبته المفضلة: وهي حكم البلد وهو مستريح.. بل وحكمها حتي وهو نائم أو مشغول في لعب الهوكي؛ لقد تردد جمال مبارك وفريقه في القفز إلي مقعد القمة «معلومة وليس اجتهادا» خوفا ربما ولكنهم آثروا بدلا عن ذلك تفريغ المقعد من هيبته وسلطاته، ونقل الثقل إلي المكان الذي أصبحوا يسيرونه «مستريحين» حتي وهم يصيفون في لابلاج أو مارينا، وأقصد مجلس الوزراء؛ وقد يفسر ذلك - جزئيا - ما ورد في خطاب الرئيس حول إعادة توزيع السلطات.
لا يمكن نقد أي برنامج دون الحديث عن طبيعته الأيديولوجية من ناحية، والقوي الاجتماعية التي يتولي التخديم عليها من جهة أخري ولذلك مثلما كانت موازنة ما قبل 1952 تقوم علي التخديم علي المشروعات التي تعني كبار ملاك الأراضي؛ فإن البرنامج الاقتصادي للرئيس مبارك يكاد من اللحظة الأولي، يقول: أنا بتاع البزنس؛ فقد تم مشرعة كل احتياج اجتماعي واقتصادي ولو كان أساسيا في المسكن والصحة والتعليم والنقل أي تحويله إلي مشروعات يقوم بها القطاع الخاص الكبير بل والقطاع الخاص الأجنبي الذي أشار الرئيس إلي أنه سينفذ المرحلة الثالثة من مترو الأنفاق بتكلفة 17 مليار جنيه مصري «دون أن ننفق مليماً».
(لم يحدثنا الرئيس عن تحويلات الأرباح الناجمة عن استثمارات أجنبية كتلك)، ولا ينسي البرنامج أن يغازل أهل البزنس الصغير بمشروعات مثل «التوكتوك» وتجمع الروبيكي لصناعة الجلود وتطور صناعة العسل الأسود.
برنامج مبارك الحقيقي إذن هو العيش في سلام مع «الثوار الجدد» وعلي السلام الاجتماعي في البلاد.. السلام.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة