يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1242 (24 - 31) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

تعليق علي الحملة الانتخابية للرئيس مبارك

 
 

سياسة .. بلا مستقبل

 
 

د0 إبراهيم العيسوي

 

 

عادت مصر إلي وضع اللامساواة في الأجور الذي كان قائما أول الانفتاح (عام 1975) وتفوقت حتي علي بنجلاديش!

كيف سيحل مبارك المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وهو لم يعلن تغيير المنهج الذي سار عليه وثبت فشله؟!

وعود مرشح الحزب الحاكم تحتاج إلي موارد تفوق المتاح في الموازنة بنسبة 70% .. لماذا لا يعلن من أين سيأتي بهذه الموارد؟!

أين الصحوة الكبري والألف يوم والوعود التي نسيها الرئيس أو انقلب عليها؟

ومنذ اللحظات الأولي لاعتلاء الرئيس المنصة لإلقاء خطابه، غمرني شعور طاغ بأنني أمام رجل يؤدي مهمة لم يعد مؤهلا لها0 فقد بدا الرئيس وكأنه يبذل قصاري جهده لإظهار حماس لم يعد لديه رصيد يعتد به منه0 كما بدا أنه يردد كلاما كتب له دون مراجعة دقيقة من جانبه فجاءت النبرة الخطابية للرئيس مفتعلة0 ولم تشف ملامح وجهه عن علامات تؤكد تصديقه لما يردده من وعود0 وبدا لي أن هذه المؤشرات مجتمعة، فضلا عن وقائع وإحصاءات سأذكرها فيما بعد، تكفي لنزع أية شبهة للمصداقية في الشعار الذي رفعه الحزب الوطني : «مبارك00 القيادة والعبور للمستقبل»0
فأي عبور هذا الذي تتولاه قيادة فقدت مصداقيتها بمضي المدة، وبالحصاد المر للسياسات التي طبقتها عبر ربع قرن من الزمان، وبالتحول من موقف معين إلي موقف مضاد دونما منطق ظاهر ودونما تبريرات مقنعة؟! وأي مستقبل هذا الذي سيقودنا إليه مبارك، وفيم سيختلف عن الحاضر الكئيب الذي أوصلتنا إليه سياساته ومنهجه المعيب في إدارة شئون المجتمع والدولة، طالما ظل مصراً فيما يبدو علي التمسك بهذه السياسات وذلك المنهج؟!
وكما هو متوقع فقد طلب الرئيس ثقة الشعب في الانتخابات الرئاسية استناداً إلي ركيزتين0 الركيزة الأولي هي إنجازاته خلال فترة حكمه التي امتدت إلي 24 عاماً0 والركيزة الثانية هي التعهد بتنفيذ عدد كبير من الوعود خلال السنوات الست القادمة، وذلك إذا ما نال ثقة الشعب في الانتخابات0 ولنا وقفة مع كل من هاتين الركيزتين0

حقيقة الإنجازات
لا غرابة ولا مفاجأة في أن تكون هناك إنجازات خلال 24 سنة من حكم مبارك0 فمن الطبيعي ومن المتوقع أن تكون هناك إنجازات لأي حاكم وضعت تحت يده الموارد الضخمة التي أتيحت لمصر سواء من المصادر الداخلية أم من المعونات والقروض الخارجية0 ولذلك فالقضية ليست في أن هناك إنجازات من عدمه، بل إن القضية هي ما إذا كانت الإنجازات التي تحققت متناسبة مع ما أتيح من موارد ومع ما أنفق من أموال، أم غير متناسبة معها0 وفي تقديري أن ما تم إنجازه كان أقل كثيرا مما كان في الوسع تحقيقه بالحجم الكبير من الموارد التي أنفقت وبالحجم الضخم من القروض الداخلية والخارجية التي تحمل المجتمع، وسيظل يتحمل لسنوات طويلة قادمة عبء سدادها0 أي أن الإنفاق اتسم بدرجة عالية من عدم الكفاءة وضعف الرشادة ، وصاحبه قدر عظيم من الفساد الذي تسبب في إهدار نسبة كبيرة من الموارد0
كما أن ما أنجز في مجال معين قد قابله تراجع في مجالات أخري، أو حتي في المجال ذاته0 فالتوسع في استصلاح الأراضي قابله استقطاع واتلاف كبيران في الرقعة الزراعية القديمة ذات الإنتاجية الأعلي، بما يجعل الإضافة الصافية للرقعة المزروعة أقل كثيرا من المليوني فدان اللذين تحدث عنهما الرئيس في خطابه0 وما أنشأه القطاع الخاص من مصانع في عهد مبارك قابله إهمال وتدهور في مصانع القطاع العام مما أدي إلي انهيار الكثير منها، وذلك بما يجعل الإضافة الصافية في مجال التصنيع جد محدودة0 والتحسن في توفير خدمات المياه والصرف الصحي قابله ازدياد كبير في معدلات تلوث المياه والهواء والتربة، بما يضعف كثيرا من الأثر الإيجابي لهذا التحسن علي صحة المواطنين، فضلا عن إهداره لموارد كانت منتجة، أو كان في الإمكان جذبها لمجال الإنتاج0
انحصر الإنجاز إذن في مجالات محدودة0 وكان الإنجاز ذاته محدوداً في نطاقه ومعدلاته0كما رافقه تراجع أو تدهور في المجالات التي تحقق فيها أو في غيرها0 وفي كل الأحوال، تضافرت عناصر الفساد مع اعتبارات ضعف الكفاءة لترفع من تكلفة الإنجاز رفعا كبيرا، ولتضيع علي المجتمع فرصا ثمينة لزيادة الإنتاج وتحسين مستوي معيشة المواطنين0

المسكوت عنه في كشف الحساب
إن التقييم الحقيقي لإنجازات عهد مبارك لا يكتمل دون التعرض لعدد من أوجه القصور في الأداء التنموي ولعدد من الآثار السلبية التي أسفر عنها منهج مبارك في الحكم وسياساته الاقتصادية والاجتماعية والخارجية0
فإذا كان الرئيس يفخر بأنه تمكن من إسقاط نصف ديون مصر الخارجية بفضل علاقاته المتميزة إقليميا ودولياً، فإن من المهم أن يتضح لكل مواطن أن ما يتحدث عنه الرئيس قد مضي عليه 13 عاماً، وأن تخفيف عبء الدين الخارجي كان له ثمن معلوم، وهو مؤازرة الحكومة المصرية لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وذلك بتقديم التسهيلات علي أرضها وبمشاركة جنودها علي أرض المعركة0 وإذا كان هذا التصرف قد أدي إلي تخفيف عبء الديون الخارجية، فإنه قد أدي أيضا إلي تكريس تبعية مصر للولايات المتحدة0

تضخم الديون
ولكن هذا الإنجاز القديم لم يعد هنالك من مبرر للحديث عنه، خاصة أن سياسات مبارك وسلفه السادات هي التي كانت قد أدت إلي ارتفاع الدين الخارجي لمصر من أقل من خمسة مليارات دولار في سنة 1975 إلي حوالي 40 مليار دولار في سنة 85/01986 وإذا كانت قيمة الدين الخارجي قد انخفضت إلي 5ر30 مليار دولار في 92/1993، بل إنها وصلت إلي 6ر26 مليار دولار في آخر يونيو 2001، فإنها قد عادت للارتفاع في عهد مبارك ذاته حتي بلغت 2ر30 مليار دولار في آخر مارس 02005 أي أن الدين الخارجي قد عاد الآن إلي المستوي الذي كان عليه منذ 12 عاماً، في 92/01993 وبعدما كانت نسبة الدين الخارجي إلي الناتج المحلي الإجمالي 2ر28% في يونيو 2000، فإنها قد ارتفعت إلي 4ر31% في مارس 2005، بل إنها كانت قد وصلت إلي 5ر42% في يونيو 2003 بعد شهور قليلة من التخفيض الكبير في سعر صرف الجنيه والذي أطلق عليه وقتها «التعويم»0
هذا عن الدين الخارجي، فماذا عن الدين الداخلي الذي لم يشر إليه الرئيس في خطابه؟ تشير الإحصاءات الرسمية إلي أن هذا الدين قد زاد من 11 مليار جنيه في يونيو 1981 إلي 471 مليار جنيه في مارس 02005 أي أن الدين العام الداخلي تضاعف 43 مرة خلال فترة حكم الرئيس الذي يطمع في فترة رئاسة خامسة! كما ارتفعت نسبة هذا الدين إلي الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة من 5ر64% في يونيو 1981إلي 4ر84% في يونيو02005
كانت تكلفة الإنجازات إذن مرتفعة، بل وباهظة بمقياس الديون التي تحمل - وسيظل يتحمل أعباءها المجتمع المصري0 فقد بلغ إجمالي الدين الداخلي والخارجي معاً في مارس 2005 مبلغ 5ر646 مليار جنيه0 وهو ما يوازي 116% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يوازي ناتج عمل المصريين خلال سنة وشهرين، دون أن ينالوا من هذا الناتج أي شيء، حتي ولوكان كسرة خبز أو شربة ماء! والخلاصة هي أن سياسات مبارك قد جعلت كل مصري مدينا بمبلغ 9170 جنيها0 فما أبهظه من ثمن لإنجاز محدود، بل ومتناقص عبر الزمن علي ما سنري0

تراجع النمو الاقتصادي
وليت هذا الدين الضخم قد صاحبه انتقال مصر من مصاف الدول المتخلفة، لا إلي مصاف الدول المتقدمة، وإنما إلي مصاف الدول الصاعدة كالصين ودول شرق آسيا التي حققت في فترات مناظرة لفترة حكم الرئيس مبارك نهضة اقتصادية جبارة0 والحقيقة المؤلمة، والتي لم يشر إليها مبارك في خطابه بالطبع، هي أن مؤشر النمو الاقتصادي قد شهد تراجعا ملحوظا في عهد مبارك0
فقد انخفض معدل النمو الاقتصادي - طبقا للإحصاءات الرسمية- من 3ر6% في 82/1983 إلي 9ر3 في 86/1987، ثم إلي 9ر1% في 91/01992 وبرغم عودة معدل النمو للارتفاع إلي 1ر6% في 98/1999، إلا أنه تراجع إلي 4ر5% في 99/2000، ثم إلي 5ر3% في 2000/2001، ثم إلي 2ر3 في 2001/2002، ثم إلي 4ر2% في 2002/02003 وتعطي المصادر غير الرسمية معدلات أقل من ذلك في السنوات الأخيرة، بلغت 8ر1% في سنة 2002/2003، وحوالي 8ر2% في 2003/2004 مقابل تقدير رسمي 4ر4% في السنة الأخيرة0
ومن ذلك يتضح أن الإنجاز التنموي في عهد مبارك لم يكن ضعيفا فقط، وذلك بالقياس إلي ما حققته مصر في فترات سابقة، وبالقياس أيضا إلي ما تحقق في دول كثيرة في آسيا وأمريكا اللاتينية لم يكن حالها أحسن كثيرا من حالنا عندما تولي مبارك الحكم في أكتوبر 1981، بل إن هذا الإنجاز كان متناقصا بمرور الزمن0

البطالة
وإذا كان الرئيس مبارك يفاخر بإنجاز أكثر من 9 ملايين فرصة عمل خلال فترة حكمه، فعلينا، وعليه، أن نتذكر أن هذا الإنجاز محدود للغاية0 فقد عجزت سياسات مبارك الاقتصادية عن توفير فرص عمل لأكثر من مليوني شخص حسب الإحصاءات الرسمية، ولما يتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين شخص حسب التقديرات غير الرسمية0 وطبقا للمصادر الرسمية ارتفعت نسبة البطالة من 5% في 81/1982 إلي 10% في 2003/2004، وإن كانت المصادر غير الرسمية تضع هذه النسبة بين 15% و25%من قوة العمل المصرية في الوقت الحاضر0
وبالطبع فإن مبارك لا يمكن أن يعفي من المسئولية عن وصول البطالة إلي هذا المستوي الخطير0 ذلك أن ازدياد أعداد المتعطلين ونسبتهم إلي قوة العمل هو النتيجة الطبيعية لما أشرنا إليه من تراجع في معدل النمو الاقتصادي في ظل السياسة الاقتصادية الانفتاحية، وفي إطار الاعتماد علي الرأسمالية التابعة، والخصخصة والتعويل علي الاستثمار الأجنبي الذي لم تنجح المحفزات والمغريات التي قدمتها الحكومة في اجتذابه0 كما أن مسئولية البطالة تقع علي عاتق مبارك وحزبه وحكوماته من زاوية القصور في الاستثمار الذي شهده عصر مبارك0

تراجع الاستثمار والتصنيع
لقد هبط معدل الاستثمار من حوالي 29% في الفترة 82/1983 - 86/1987 إلي 16% في الفترة 2002/2003 - 2003/02004 ولم يكن غريبا في ظل هذا التراجع في الأداء الاستثماري في ظل نظام مبارك أن تتراجع معدلات نمو الصناعة من 8ر9% في 82/1983 إلي 5ر3% في 2003/ 02004
وكان من نتائج تراجع معدل نمو الإنتاج الصناعي أن أصبح نصيب الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي لا يزيد علي 19% في 2003/2004، بينما كان هذا النصيب قد وصل إلي 27% في 01975 ومما يسترعي الانتباه أن نصيب الصناعة في الناتج في 2003/2004 قد عاد إلي المستوي الذي كان قد بلغه منذ 36 سنة، أي في سنة 67/01968 إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن التصنيع قد أصيب بنكسة كبيرة في عهد مبارك، والحديث عن بناء 3222 مصنعاً في المدن الجديدة كمؤشر للنهضة الصناعية في عهد مبارك هو حديث غير دقيق0 فالكثير من هذه المصانع صغير الحجم محدود الطاقة، وقد لا تتجاوز نشاطاته تعبئة وخلط أو تجميع مكونات مستوردة، وقد لا تضاهي المائة من هذه المصانع مصنعا واحدا من المصانع الكبري للقطاع العام في كفر الدوار وحلوان والمحلة الكبري وغيرها0 كما أنه في مقابل ظهور هذه المصانع الخاصة، تراجع نشاط وإنتاج معظم وحدات القطاع العام بفعل الإهمال المتعمد من جانب نظام استقر رأيه علي التحول إلي اقتصاد السوق والقطاع الخاص، أيا كانت النتائج!

الاختبار الحقيقي
إن المحك الحقيقي للإنجاز يتألف من ثلاثة عناصر علي الأقل، وهي : النمو الاقتصادي من حيث السرعة والمحتوي، والتصنيع من حيث المعدلات والعمق، والتحسن في مستوي معيشة الغالبية الفقيرة من الشعب، وبالتالي انخفاض نسبة الفقراء في المجتمع0 فكيف كان أداء نظام مبارك بهذا المقياس؟
إن النمو والتصنيع كانا في حالة تراجع علي ما رأينا سابقا0 كما أن نسبة الفقراء في مصر لم تختلف كثيرا في 99/2000 (طبقا لآخر تقدير متاح) عنها في 81/1982 عندما تولي مبارك الحكم0 فهذه النسبة لم تزل في حدود 43%0 ودعك من التقديرات التي تدعمها الحكومة والتي تصل بنسبة الفقراء إلي 17%! فهي تقديرات مبنية علي تعاريف غير واقعية لخط الفقر، وتثير إشكالات فنية محل جدل لا مجال للدخول فيها هنا0 ومما يعزز القول بأن نسبة الفقراء لم تنخفض في عهد مبارك عدة أمور من أهمها:
(1) انخفاض نسبة الأجور (مصدر الدخل للسواد الأعظم للشعب المصري) إلي الناتج المحلي الإجمالي من 41% في 81/1982 إلي 28% في آخر سنة متاح عنها هذا التقدير، وهي سنة 99/02000 لاحظ أن هذه النسبة كانت قد وصلت إلي 50% في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات0
(2) انخفض متوسط الأجر الحقيقي للمشتغل (أي كمية السلع والخدمات التي تشتري بما يحصل عليه المشتغل من أجر نقدي) بنسبة 28% خلال الفترة من 81/1982 إلي 99/02000 وفي القطاع الحكومي انخفض متوسط الأجر الحقيقي للموظف بنسبة 20% في الفترة من 81/1982 إلي 2002/ 02003 بعبارة أخري، فإن عهد مبارك قد شهد تدهوراً ملحوظا في مستوي معيشة موظفي الحكومة وفي مستوي معيشة الطبقة العاملة علي وجه العموم0
(3) صاحب التراجع في نصيب الأجور إلي الناتج المحلي الإجمالي والهبوط في الأجر الحقيقي للمشتغل، اتساع ملحوظ في الفوارق بين الطبقات0 فقد ازداد مؤشر اللامساواة0 في توزيع الدخل (معامل جيني) من 30ر0 في 81/1982 إلي 33ر0 في 90/1991، ثم إلي 38ر0 في 99/2000 (آخر تقدير متاح)0 أي أن مصر قد عادت إلي درجة من سوء التوزيع في الدخول تماثل ما كان قائما في 01975 وهي درجة من سوء التوزيع تفوق ما هو ملاحظ في بلاد شديدة الفقر مثل الهند وبنجلاديش، حيث يقدر مؤشر اللامساواة فيهما بنحو 32ر0 في سنة 99/02000

المحصلة الصافية
وبهذا المقياس الثلاثي : «النمو - التصنيع- التوزيع والفقر» تبرز أقوي دلائل ضعف الإنجاز في عهد مبارك، وتظهر مسئولية مبارك عن كل ما وعد بحله من مشكلات إذا ما حاز ثقة الشعب في الاستفتاء المقنع الذي يطلق عليه انتخابات رئاسية0 وإذا وضعت الإنجازات المحدودة والمتناقصة خلال فترة حكم مبارك في مقابل الإخفاقات في مجالات النمو والتصنيع والتشغيل والمالية العامة وميزان المدفوعات ومستوي المعيشة والتفاوتات في توزيع الدخول والثروات وإهدار المال العام وغيره من صور الفساد، لبدت المحصلة الصافية ضئيلة، وإن لم تكن سلبية، ولظهر بوضوح عقم المنهج التنموي الذي اتبعه مبارك وخطأ السياسات التي سار عليها0
وبهذا تنهار الركيزة الأولي من الركيزتين اللتين استند إليهما مبارك في طلب الفوز بثقة المصريين والوصول بفترة حكمه إلي ثلاثين عاماً0 فماذا عن الركيزة الثانية؟

الجنة الموعودة
تمثلت الركيزة الثانية في مجموعة ضخمة من الوعود تناولت شتي المشكلات العالقة والمتراكمة علي مدي 24 عاماً من حكم الرئيس مبارك0 فقد شملت هذه الوعود مشكلات الإصلاح السياسي والتشريعي والدستوري، ومشكلة البطالة، وتنشيط الزراعة واستصلاح الأراضي، والصناعة والسياحة، وتحسين مستوي المعيشة، والارتقاء بخدمات التعليم والصحة والإسكان والنقل والمواصلات والمياه والنظافة والصرف الصحي، إضافة إلي السياسة الخارجية0
وعندما استمعت إلي الخطاب الافتتاحي للحملة الانتخابية للرئيس مبارك، ثم عندما اطلعت علي تفاصيل برنامجه الانتخابي المنشور في أهرام الجمعة 19/8، قفز إلي ذهني سؤال تبين لي فيما بعد أنه طرأ علي أذهان كثيرين غيري، وهو : وكيف نثق في هذه الوعود، وما الذي يدعونا لتصديقها؟ إن سجل إنجازات الرئيس لا يقدم أي سند للثقة في قدرته علي حل كل هذه المشكلات في ست سنوات بعدما عجز عن تحقيق اختراق ملحوظ في أي منها خلال 24 سنة0 كما أن الرئيس مبارك والحكومات التي تعاقبت خلال عهده المديد كثيرا ما أسرفوا في تقديم وعود لم ينجز منها شيء يذكر0
والأمثلة كثيرة نذكر منها برنامج الألف يوم، كما نذكر منها البرامج المتعددة التي تضمنتها بيانات الحكومات المتعاقبة في عهد مبارك إلي مجلس الشعب والتي كثيرا ما حفلت بالوعود والأحلام الوردية0 ونذكر منها أيضا خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي عجزت عن تحقيق الكثير من أهدافها0 وأخيراً، وليس آخراً، نذكر الوعد الذي قدمه الرئيس للصحفيين منذ أكثر من عامين بإلغاء الحبس في قضايا النشر، والذي لم ينفذ بعد0
وما الذي يدعونا إلي الثقة في وعود مبارك وقد عودنا علي تقلب مواقفه واتجاهاته دون سابق إنذار أو تمهيد مقنع0 وما قصة تعديل المادة (76) من الدستور ببعيدة0 فبعد سنوات طويلة بح منها صوت المعارضة من أجل تعديل الدستور، وبعد مناسبات متعددة قام فيها الرئيس بتسخيف مطالب المعارضة واعتبار دعوتها لتعديل الدستور باطلة، وبعد أن استطاع ممثلو مبارك في حوار الأحزاب انتزاع موافقة الأحزاب المعارضة علي تأجيل تعديل الدستور إلي ما بعد الاستفتاء الرئاسي، إذا بالرئيس يغير موقفه ويطلب من مجلسي الشعب والشوري تعديل المادة (76) من الدستور! ولكن بئس ما جاء به مبارك وأعوانه من تعديل في هذه المادة! فهو تعديل يظهرمن سوء النوايا أكثر مما يظهر من حسنها، ويؤكد إصرار نظام مبارك علي إبقاء الحال علي ما هو عليه من حيث الجوهر؛ أما الشكل فلا بأس من تحسينه لضغوط الخارج وإرباكاً للمعارضة في الداخل0
وإذاكان الكثيرمن الإصلاحات الدستورية والتشريعية التي يقدمها مبارك في برنامجه الانتخابي هو ذاته ما كانت المعارضة تطالب به لسنوات متعددة، ولا يلقي من مبارك وأعوانه إلا الرفض والتسفيه والتسخيف، فكيف نصدق أنه تحول بين عشية وضحاها إلي تبني هذه المطالب حقاً وصدقاً؟! وما الذي يدعونا إلي تصديق أن مبارك قد عدل عن «نظرية الديمقراطية بالقطارة» التي طالما تمسك بها بدعوي الحفاظ علي الاستقرار، وأنه لن ينفذ من وعوده سوي النزر اليسير؟! وكيف يمكن الثقة في ألا تتحول الإصلاحات التي وعد بها إلي إصلاحات شكلية في التطبيق، تبقي علي الجوهر الشمولي والاستبدادي لنظام مبارك، مثلما جري مع المادة (76)؟!
وفيما يتعلق بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وما ورد بشأنها من وعود في البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك، يثور سؤالان0 السؤال الأول هو : كيف سيأتي حل هذه المشكلات دون أن يطرأ أي تغيير علي منهج التنمية الذي ثبت فشله علي امتداد 24 سنة، ودون أن تتغير جذريا السياسات التي عجزت عن اقتحام هذه المشكلات طوال تلك الفترة؟! فالرئيس وحزبه مازالا يتمسكان بالمنهج الانفتاحي والتحول إلي اقتصاد السوق العشوائي والارتكاز علي طبقة رأسمالية ثبت ضعفها وهشاشتها وميل الكثير من أعضائها للكسب الطفيلي السريع، والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من موقع يغيب فيه التكافؤ وتسيطر عليه التبعية0 وكما سبق أن بينا، فإن الإنجازات التي أسفر عنها هذا المنهج كانت إنجازات محدودة ومتناقصة عبر الزمن، ورافقها الكثير من السلبيات، مما جعل محصلتها الصافية ضئيلة أو حتي سلبية0
والسؤال الثاني هو كيف سيدبر مبارك وأعوانه الموارد اللازمة لتنفيذ ما تضمنه برنامجه من وعود؟ إن ما يقوله البرنامج في هذا الشأن ضعيف للغاية، ولا يقدم إجابة مقنعة أو شافية0 فقدتضمن البرنامج بندا خاصا بالتكلفة المالية للبرنامج0 حيث قدرت التكلفة الإجمالية بمبلغ 1320 مليار جنيه خلال فترة الرئاسة القادمة، وبواقع 220 مليار جنيه سنويا، وذلك بأسعار 2005/02006 وأيا كانت دقة هذه الأرقام، فإن الأمر المهم هو كيفية تدبير الموارد اللازمة لتغطية هذه التكاليف0 وهنا نجد أن البرنامج غامض وغير محدد رقميا0 فهو لا يعول في هذا الشأن سوي علي تحقيق حصيلة إضافية من قانون الضرائب الجديد علي الدخل من جهة، وترشيد الإنفاق العام وزيادة كفاءة استخدام المال العام من جهة أخري0 ومن المهم أن نذكر في هذا الصدد أن التمويل المطلوب سنويا وهو 220 مليار جنيه في المتوسط، يزيد علي الإيرادات المتوقعة في موازنة 2005/2006 التي اعتمدها مجلس الشعب وقدرها 130 مليار جنيه، بنسبة 70%0 فكيف ستتحقق هذه القفزة الضخمة في الإيرادات؟ وإلي أي مدي ستستمر الحكومة في الاستدانة من الخارج ومن الداخل بكل ما لها من أعباء علي الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة؟ وإلي أي مدي سيتم التعويل علي المعونات الخارجية بكل ما هو معروف عنها من آثار سلبية علي إرادة الوطن واستقلاله؟ إن غياب إجابة مقنعة عن سؤال التمويل يلقي بظلال كثيفة من الشك وعدم المصداقية في الوعود الانتخابية للرئيس مبارك0 وبهذا تنهار الركيزة الثانية التي استند إليها مبارك في طلب ثقة الناخبين، مثلما انهارت الركيزة الأولي0
الأمر الواضح مما تقدم هو أن البرنامج الانتخابي لمبارك لا يقدم للمواطن المصري ما يدعوه لتجديد الثقة في حاكم فقد مصداقيته من جراء فشل سياساته عبر 24 عاماً، ومن جراء تقلب مواقفه دون تبريرات مقنعة، وبسبب إسرافه في تقديم وعود لا تتوافر الإمكانات لتنفيذها طالما استمر في التمسك بمنهجه المعيب في التنمية وإدارة شئون المجتمع والدولة0 وعلاوة علي ذلك كله، يجب رفض تجديد الثقة في مبارك اعتراضا علي نظام حكم يسمح باستمرار حاكم في الاستئثار بالسلطة 30 عاما0 ومن هنا فإنني أؤكد دعوة حزب التجمع إلي جمهور الناخبين بالامتناع عن التصويت في الاستفتاء المتخفي في شكل انتخاب، لتأكيد رفضهم المشاركة في التمثيلية السخيفة التي لا طائل من ورائها، ولتعزيز سعيهم لتجديد نظام الحكم وفتح الطريق أمام عهد جديد من الديمقراطية الصحيحة، وأمام تنافس جاد بين الأحزاب والقوي السياسية حول أفضل السبل لإخراج مصر من أزمتها0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة