علي مدي دهور طويلة عاني الشعب من ظلم الحكام وقهرهم
له، واغتصابهم لحقوقه0 وإذ افتقد القدرة علي مواجهة
الطغاة، وعلي هزيمتهم، وإذ لم يجد قيادة تتقدم صفوفه،
لتعبئ قواه، وتخوض به معارك الحرية وقهر الظلم والظالمين،
وانتزاع الحقوق المنهوبة، عاش الشعب ما يشبه أحلام اليقظة0
استخدم أدوات غير مباشرة للنضال00 النكتة السياسية، خيال
الظل، السيرة الشعبية00إلخ0
وهكذا يتغني الشاعر الشعبي :
لابد من يوم معلوم
ترتد فيه المظالم
أبيض علي كل مظلوم
أسود علي كل ظالم
ولأن الحلم الشعبي في العدل والحرية يحتاج إلي ابطال، نسج
الشعب من أحلامه رجالا، يمتلكون شجاعة المواجهة، وشجاعة
الموقف، وشجاعة القرار0
وتحرك الحلم الشعبي حول أبطال ملحميين يخوضون المعارك ضد
الظلم والنهب، ويكونون لسانا للشعب وسيفا له، وتألقت في
«سيرة علي الزيبق المصري» أسماء مثل «أحمد الدنف» و«حسن
راس الغول» و«فاطمة الزهراء» تألقوا في مواجهة الحاكم
الظالم والمستبد وفي مواجهة عملائه وخدامه من أمثال
«المقدم صلاح الدين» و«دليلة المحتالة» وبنتها «زينب
النصابة»0
ويقف علي رأس الأبطال الشعبيين دعاة العدل والحق والحرية،
البطل الأسطوري «علي الزيبق المصري»0 لكن الحلم الشعبي لم
يكن مجرد تجسيد لأبطال أسطوريين يواجهون ظلم الحاكم
وطغيانه وإنما تحول فنسج عبر نضال طويل وأحلام متعاقبة ما
يمكن اعتباره دستورا شعبيا يحدد مهام الحاكم وحقوق
المحكومين، ويحدد رؤية الشعب فيما هو حق وما هو باطل00
هذا الدستور الشعبي نسجته أحلام الجماهير في ملحمة طويلة
تحكي وصية هارون الرشيد لأولاده الأمين والمأمون
والمعتصم00 وإذ نطالع «الدستور» الذي روته السيرة الشعبية
دون أن نعرف له مؤلفا، نقرأ عبر سطوره «ضعوا الأشياء في
محلها، والمناصب في أيدي أهلها، ولا سيما الولاة وأرباب
الوظائف الكبار، فينبغي أن يكون هؤلاء من أهل الفضل
والكمال، موصوفين بالاستقامة والأمانة، وأن يكون مشهود لهم
بالحلم وصدق الديانة، لا يميزون بين الحقير والشريف، ولا
يظاهرون القوي علي الضعيف، فيهابهم جميع المأمورين، ويقتدي
بهم باقي المستخدمين، فإذا كانوا علي هذه الحالة تستقيم
أحوال الرعية، فترعي الذئاب مع الغنم، أما إذا كانوا علي
خلاف هذه الأوصاف ، مائلين إلي الانحراف، لا يبالون بمنافع
الخلق، ولا يفعلون ما يقتضيه الحق، بل يصرفون الأوقات
بالملاهي والملذات، ويسمعون كلام الوشاة، فسوف تضطرب
الأحوال، ويقع الاختلال، ويكون سببا لضرر البلاد عوض
الإصلاح، وتقمع العباد، فيضيع الحق والإنصاف، ويكثر الجور
والاعتساف، فيسقط شرف الخلافة بعد علو الشأن، ويعلو فوقه
الذل والهوان»0
نراجع الأسطر السابقة التي نسجها الوجدان الشعبي، وألصقها-
كي يهرب كاتبها من المسئولية - بهارون الرشيد، نراجعه سطرا
سطراً، بل حرفا حرفا لنكتشف أن حكامنا وكأنهم وضعوها أمام
أنظارهم، لا ليطبقوها وإنما ليفعلوا عكسها تماماً00 وتكون
النتيجة الطبيعية هي ما تنبأ به هذا الدستور الشعبي00 تكون
تماما ما تنبأ به «تضطرب الأحوال، ويقع الاختلال ويكون
سبباً لضرر البلاد عوض الإصلاح، وتقمع العباد، فيضيع الحق
والإنصاف ويكثر الجور والاعتساف، فيسقط شرف الخلافة بعد
علو الشأن، ويعلو فوقه الذل والهوان»0
00 والحلم الشعبي لا يرتضي لأبطاله أي سكوت عن الحق
والعدل00 حتي ولو في مواجهة الحاكم، وهكذا يتجسد الحلم في
وقفة شجاعة لعلي الزيبق المصري يصرخ فيها في وجه حاكم مصر
«أنت تظلم الناس وتقتلتها من غير ذنب، وأنا أقع في العذاب
من أجل شهواتك الردية، أما تعلم أنني أخذت هذا المقام
رغماً عن الأعداء والأخصام؟ ولولا ما يقوله الناس أن علي
الزيبق تعدي، وبالفساد تبدي، لقطعت رأسك بهذا الحسام»0
00 قال البطل الشعبي هذه العبارات كأسد هصور لايخاف أي
ظالم مهما كان ظلمه فيرتجف الحاكم0 ويجسده الحلم الأسطوري
متهالكا أمام سطوة الغضب الشعبي فنقرأ «ثم إن الحاكم أتاه
الخوف والوجل، وأيقن بحلول الأجل وقال في عرضك يا مقدم
علي، وارتمي علي أقدامه» وهكذا ارتمي الحاكم علي أقدام
الشعب00 هذا هو الحلم الشعبي الذي ظل يعيش في وجدان
الجماهير00 ولم يزل0
ونتأمل مواقف حزب التجمع وتاريخه0 نتأمل وقفته الشجاعة إذ
رفض أن يشرب كأس الهوان في مسرحية الترشيح الرئاسي، ورفض
لعب دور الكومبارس0 نتأمل أن يختار حزب الموقف الصعب كي
يجسد حلم الشعب0 أن يقول : لا، حتي ولو كانت صعبة ومكلفة،
فالشعب يحلم لم يزل بمن يتجاسر بقول : لا 0 يحلم لم يزل0
بمن يقول للظلم : لا، ومن يقول للحاكم إذ يخطئ : لا0
الشعب المحبط والمقهور والمسلوبة حريته وآخر لقمة خبز في
فمه وفم أطفاله يحتاج إلي بطل من صفوفه يمتلك شجاعة أن
يقول : لا للظلم والقهر، شجاعة أن يصرخ : لا للهوان
وافتقاد الكرامة0 ويرفض أن يهدر كرامته في ساحة انتخابات
غير متكافئة0
وإذ يتجسد الحلم الشعبي في قراري حزبنا برفض الترشيح ورفض
التصويت00 وإذ يصرخ حزبنا بصوت الشعب فيحاول الحكم أن يبدو
وكأنه يتراجع أمام الإرادة الشعبية، ونحن نلاحقه، يتزحزح
خطوة متلاحقة لنجبره علي المزيد من التراجع00 فبعد ماكان
في مدرسة المساعي المشكورة وبعد أن صرخنا بأن استخدام دور
العلم والأماكن المملوكة للدولة في الدعاية الانتخابية
مخالف للقانون جاء بعض من عقل00 فذهب الرئيس المرشح إلي
حديقة الأزهر0 وهذا تراجع محمود وإن كنا نشك في أن أحداً
من المرشحين سيسمح له بذلك أو بمثله0 وإذ انتقدنا-
وانفردنا بانتقاد - ما فعله التليفزيون المصري وإذاعته من
إذاعة الخطاب علي الهواء عبر القنوات جميعا أرضية وفضائية
وإذاعية0 تراجع الحكم خطوة أخري فخصصت له قناة دريم
قناتها00 ولسنا نعرف كم دفع في ذلك، هذا إن كان قد دفع
أصلا0
لكن المواويل الشعبية لم تزل تفرز الحكمة الشعبية والطموح
الشعبي إذ يصرخ :
«نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب
وديل الكلب ما ينعدل لو علقوا فيه قالب»
فالتليفزيون يخصص من نشراته مساحات لبرنامج الرئيس هي
أضعاف أضعاف ما يخصصه للمرشحين التسعة جميعا0 ونقول
«معلهش»0 ولكن ما بال الصحف القومية لم تزل علي نفاقها
المعهود00 ما بال جمهورية نفاقستان الصحفية لم تزل غير
قادرة علي تحقيق أي قدر من التوازن، حتي ولو كان توازنا
غير مكتمل، أو حتي غير متوازن0 ما بال سكان نفاقستان
الإعلامية يفردون الصفحات الأولي وعديدا من الصفحات
الداخلية لنشر النص الكامل لخطاب الرئيس وبرنامجه
الانتخابي بينما يعطون بضعة أسطر لمؤتمرين صحفيين يعلنان
برنامجي حزب الوفد وحزب الغد0
وإذ يبدو التكافؤ مفتقداً بصورة سافرة، بل ومهينة، مهينة
ليس للمرشحين الآخرين وإنما للتجربة كلها، يتحدث د0 محمد
كمال باسم لجنة انتخابات الحزب الوطني مؤكدا أنه لا
تعليمات صدرت للصحف القومية بشأن تغطية الحملة الانتخابية
للرئيس0 وكأن الأمر يحتاج إلي تعليمات0 هل ينسي أساطين
الحزب وحملته الانتخابية أن النفاق شريعة بين رجالهم، وأنه
ليس فقط «سيد الأخلاق» وإنما هو الخلق الواجب الاتباع0
ويتمادي النفاق فبرغم نصوص واضحة في القانون، وتحديا لها
تبدأ الوزارات وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال00 حملة
النفاق المعتادة فتنشر جهاراً نهاراً إعلانات لتأييد
الرئيس المرشح في الصحف القومية، تقتطع من أموال الشعب ما
تنافق به0 وأن كنت أعتقد أن «اللي ينافق ينافق من جيبه»،
والأمر هنا لا يحتاج من متحدث باسم الحزب الوطني أو لجنته
الانتخابية أن يصدر تصريحا بأنه لم يصدر تعليمات بذلك0 بل
العكس هو المطلوب00 بأن يصدر توجيه من الرئيس المرشح للصحف
القومية بأن تكف عن التمييز بين المرشحين، وبألا تمنحه
صفحات وصفحات من كتاب كبار ومن تغطية إعلامية علي حساب
التكافؤ مع الآخرين وبأن يصدر رئيس الوزراء قراراً بأن
يقتطع من مرتبات وبدلات السادة الوزراء من رعايا نفاقستان
هم وقادة وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال ثمن الإعلانات
النفاقية التي بدأت تطل برأسها، فإن سكتنا عنها تحولت إلي
سيل جارف0 كذلك الحال بالنسبة للافتات رؤساء الأحياء
وغيرهم من موظفي الدولة00
قد يتصور البعض أن هذه المحاولات لن تغير من الأمر شيئا0
فالمسرحية محبوكة الأطراف، والنتائج معروفة مقدما، لكن
الشعب من حقه أن يرفض وأن يتململ، وأن يجبر الحكم الذي
اعتاد علي التجبر، والمنافقين الذين صعدوا بنفاقهم ويأبون
إلا أن يواصلوا هذا النفاق سعياً وراء خطوات إلي أعلي00
والله وحده يعلم أنها هبوط إلي أسفل00 أن يجبر هؤلاء جميعا
علي احترام القانون00 واحترام التكافؤ0 هكذا يتزحزح الظلم،
ويجبر الحكم علي التراجع وأن خطوة أو حتي نصف خطوة0
فتتراكم الخطي التي يتراجعها لتخلق وأن بعد فترة مناخا
جديدا0
هكذا يمكن لحزبنا أن يجسد الأمل الشعبي والحلم الجماهيري00
الذي تراكم في الوجدان المصري عبر سنوات وسنوات في أن
يستقيم الأمر، ويستقر العدل0
هكذا يمكن أن «ينعدل ديل الكلب» ويصبح مستقيما0 ويمكن
للحلم الشعبي أن يتحقق00 فتعالوا يا أبناء حزبنا، يا رجال
التجمع امتلكوا شجاعة «علي الزيبق المصري» جسدوا الحلم
المصري في رجال طال انتظاره لهم00، رجال يقولون وبشجاعة
وبصراحة وبقوة «لا» للظلم0 «لا» للقهر0 «لا» لكبت الحريات0
«لا» للفقر والإفقار00 وألف «لا» أخري0
قولوا لشعبكم ها هو الحلم يتحقق 0 وها نحن نحققه علي
أيدينا00
ولننشد مع جماهير شعبنا قول ابن عروس
لابد من يوم معلوم
ترتد فيه المظالم
أبيض علي كل مظلوم
اسود علي كل ظالم