عندما أشار تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي إلي
أن منطقتنا تأتي في ذيل الأمم من حيث توافر الحريات
الديمقراطية فيها غضب الحكام، وقال البعض إنه تقرير متشائم
ومبالغ فيه.
والآن، وبعد عامين من التقرير الأول ثم التقرير الثالث عن
الحكم الرشيد الذي صدر هذا العام لا نستطيع أن قول إن هذا
الوضع قد تغير إلي الأفضل، فماتزال منطقتنا قابعة في ذيل
الأمم وهي تأتي بعد إفريقيا جنوب الصحراء في سجل توافر
الحريات في العالم.
قبل أيام أنهي الصحفي الإيراني «أكبر غانجي» إضرابا عن
الطعام استمر ستين يوما وكاد أن يفقد حياته بعد أن ساءت
حالته الصحية وناشدته أسرته وأطباؤه أن ينهي الإضراب.
وكان الصحفي قد سجن عام 2000 محكوما عليه بست سنوات متهما
بالإضرار بالأمن القومي وهي تهمة مطاطة وغامضة، والحقيقة
أنه كان قد نشر سلسلة من المقالات اتهم فيها عشرات
المسئولين الإيرانيين بالتواطؤ لقتل عشرات المعارضين
السياسيين.
وفي تونس لاتزال تداعيات أزمة المعهد العربي لحقوق الإنسان
تتوالي نتيجة للقيود التي فرضتها عليه السلطات التونسية
علي مدي سبعة عشر شهرا، حيث قامت بتجميد أمواله والتحويلات
المالية الواردة لنشاطه مما أدي إلي توقف عمله ووقف صرف
رواتب العاملين، وتدعي الحكومة التونسية أنها إنما تنفذ
التشريع الخاص بمكافحة تمويل الإرهاب الذي أصدرته قبل عام
ونصف العام وذلك دون أي احترام لطبيعة المعهد كمؤسسة
أكاديمية غير حكومية تقوم بنشر ثقافة حقوق الإنسان في
المنطقة.
ويأتي موقف الحكومة التونسية ضد المعهد الذي علت الأصوات
للمطالبة بنقله خارج تونس ضمن حملتها ضد نشطاء حقوق
الإنسان ومنظماتها، والتي تجلت في حظر عدد من الجمعيات
الناشئة والضغوط التي تعرضت لها الرابطة التونسية لحقوق
الإنسان فضلا عن الاعتداءات المتكررة علي الحقوقيين
وملاحقتهم أمنيا وقضائيا.
ورغم طبيعة الرسالة الثقافية للمعهد، فرضت الحكومة رقابة
علي بريده ومراسلاته، وماطلت في الترخيص لعدد من الكتب
الفكرية، ولايزال 12 كتابا منها لدي الرقابة لخمس سنوات.
وفي مصر تتواصل المواد القانونية التي يتم بمقتضاها حبس
الصحفيين وغيرهم في قضايا النشر، وقد أدي المناخ الذي
أحدثه قرار وزير العدل بمنح حق الضبطية القضائية لمجمع
البحوث الإسلامية للكتب التي تعالج قضايا الدين والتراث
إلي تطاول جماعة من جماعات التكفير علي المفكر والباحث سيد
القمني وتهديده بالقتل إذا لم يتبرأ من أفكاره بعد أن قدم
المجمع بلاغا إلي النيابة العامة مطالبا بمصادرة كتابه «رب
الزمان» الذي حكمت المحكمة بالإفراج عنه، ومع ذلك فقد خاف
ناشره من إعادة طرحه في الأسواق.
وأصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي عن
حالة حقوق الإنسان في مصر لعام 2004، والذي يسجل مزيدا من
الانتهاكات لحقوق الإنسان في البلاد، تضاف إلي ما كان قد
سجله تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان وهو منظمة شبه
حكومية.
ويقول التقرير إنه بإجراء مقارنة بين حالات انتهاك الحق في
الحياة خلال السنوات الأربع الأخيرة نجد أن هناك ارتفاعا
ملحوظا في معدلات انتهاك هذا الحق، وذلك برغم توقف
المواجهات بين قوات الأمن والجماعات المسلحة منذ
التسعينيات، وهو ما يشير إلي أن حالة حقوق الإنسان في مصر
تشهد تراجعا ملحوظا، ولاتزال جريمة التعذيب تشكل المصدر
الرئيسي لانتهاك الحق في الحياة.
وفيما يخص حرية الرأي والتعبير لم تشهد مصر أي تحسن ملموس،
وبالإضافة إلي تعرض الصحفيين للضرب والاختطاف، كما تابعت
المنظمة وقائع التحقيق مع عدد من الصحفيين بسبب ما نشروه
من آراء.
وليست هذه الوقائع المحدودة إلا نقطة في بحر إهدار الحريات
العامة وملاحقة النشطاء وتغييب الشعب عن المشاركة في
الحياة السياسية والعامة تحت ضغط حالات الطوارئ الدائمة
وترسانات القوانين المقيدة للحريات العامة.
ولذا فإن طرح شعار المطلب الديمقراطي أولا ليس عملا من
قبيل الرفاهية بل إنه ضرورة حياة حتي تخرج الشعب من ذلك
«الثقب الأسود» كما وصفه تقرير التنمية الإنسانية، ويكون
بوسعها أن تغير حياتها إلي الأفضل وتسيطر علي مصيرها،
فالديمقراطية هي المفتاح والوصول إليها ليس نزهة بل معركة
طويلة ومريرة تحتاج إلي تضحيات.