يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1242 (24 - 31) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

من غير كلام

 
 

ضد القهر العائلي والإرهاب الفكري

 
 

عيد عبدالحليم

 

  «المسرح هو فن احتواء الواقع» عبارة ربما أصدق ما تكون علي مسرحية «من غير كلام» للمبدعة فتحية العسال وإخراج محسن حلمي، وبطولة عزة بلبع وأيمن عزب وشريف عواد وهمام تمام، وبدور وعمرو هاشم، أشعار سعيد الفرماوي، ألحان عماد الرشيدي.
وقد اعتمدت فتحية العسال في نصها علي ثراء معرفي يتضافر مع الهم الواقعي بتناثراته المختلفة، عبر تشعب القضايا التي طرحها العرض، وإن حمل خصوصية الرؤية، من طرحها لقضية المرأة وقهرها في ظل مجتمع ذكوري بداية من الميلاد، وطرح العوامل المساعدة علي هذا القهر، وقد أدت عزة بلبع دورا بالغ الأهمية من حيث الأداء الحركي والشفاهي والغنائي، عبر إنسانية تبدو للوهلة الأولي معذبة في ظل القهر الأبوي.
بعد أن أجهضت أحلام الحياة والحب ثم الزواج من أول من يطرق الباب، وعنف الحياة الزوجية وتسلطها، وهو قهر مواز لما عانته «الأنثي» من قبل في بيت أبيها، حيث توضع أمامها مجموعة من المحرمات - يفرضها النظام الأبوي - ولا يجوز لها أن تخترقها.
ثم يأتي صوت الأم في وصاياها التقليدية لابنتها في يوم زفافها في أن تكون طوعا لزوجها وألا تناقشه فيما يقول، وألا تحاول إظهار شخصيتها علي اعتبار أن ذلك عيبا، كذلك يأتي «الزوج» والذي لعب دوره «همام تمام» محملا أيضا ومعبأ بوصايا ذكورية شديدة القسوة ومنها «اكسر لها ضلعا ينبت لها أربعة وعشرون» وهكذا في متوالية، تأخذ من حرية المرأة الكثير والكثير، لدرجة أنها تفقدها في النهاية السيطرة علي ذاتها.

ضد الفساد
كما ناقش العرض مجموعة من الأفكار المهمة المتعلقة بالفساد الإداري فالزوج موظف صغير يحاول رؤساؤه استغلاله وتحميله الأخطاء الإدارية التي فعلوها، وتصل حدود الضغط عليه إلي الضرب المبرح وتهديده بالفصل، وكل هذه التأثيرات النفسية بدلا من أن يخرجها هذا الموظف في شكل رفض لمن يقومون معه بتلك الممارسات فإنه يخرجها في بيته من خلال الإيذاء المستمر لزوجته، التي تحولت مع مرور الوقت إلي مجرد شيء في البيت فهي صامتة علي الدوام، لكنها مع ذلك - رغم كل هذا الخنوع المسيطر علي شخصيتها - تحمل بين ضلوعها آفاقا للتمرد والخروج.
كما يناقش العرض - أيضا - قضية استفحلت خلال العقدين الأخيرين وهي قضية «البطالة» وتزايد عدد الشباب العاطلين في ظل قوانين الخصخصة، والفساد الحكومي، والواسطة والمحسوبية، وقد أدي «أيمن عزب» و«عمرو هاشم «وبدور» أدوارا محورية عبرت عن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها ملايين من الشباب المصري، عبر جرأة في التعبير، ورفض للوضع القائم، وإن جاءت المعالجة في إطار ما يمكن أن يسمي بـ «الكوميديا السوداء» التي تحاول أن تجأر بما يعتمل في النفس، مع إضفاء نوع من السخرية، أو بمعني أدق المفارقة.

الاختراق الإرهابي
وهذه المشكلة الكؤود ولدت قضية أخطر وهي قضية استلاب الأجيال الجديدة من خلال الجماعات الإرهابية التي تخرج من مكانها لتخترق عقول هؤلاء الشباب الذين يلاحقهم الإحباط الدائم في ظل سياسات حكومية قاهرة، «عبر» خطاب معسول يحمل في طياته سما زعافا، لكن مع تعدد أسباب الإحباط والقهر الأسري وغياب الجانب التنويري الذي يأخذ هؤلاء الشباب إلي بر الأمان، فإن هناك نوعا من الأصالة والثوابت الأخلاقية التي تمثل حصنا لهم من الاختراق الإرهابي، الذي يبشر ببعض التعليمات الدينية المغلوطة لتبرير خطابه التكفيري.
والعرض بهذا يمكن اعتباره مواجهة في وجه الطيور الظلامية التي تتربص ليلا ونهارا بأشجار المستقبل المتمثلة في أهم ثروة يمتلكها الوطن وهم الشباب.

مسرح دائري

وقد جاء اختيار مسرح الغد بخشبته الدائرية موفقا لمثل هذا العرض الذي جاء في إطار من رصد الجزئيات عبر لوحات فنية متناثرة، يضمها إطار عام، يجعل من النسبي بداية للكلي، وقد جاءت اللوحات الكاريكاتورية للفنان سعيد الفرماوي في خلفية المسرح ذات دلالة مهمة، بحسها الساخر، ورصدها لمختلف القضايا، وكانت بمثابة إضاءة جانبية لآليات العرض الذي جاء مزيجا من المسرح الواقعي والغنائي، وقد استغل المخرج محسن حلمي صوت عزة بلبع بمساحاته العريضة ووظفه في خدمة العرض، كما جاءت كلمات الأغاني تحمل في طياتها مخاوف الفرد من المجتمع ومن الآخر، ومعبرة عن خلجات النفس البشرية المؤرقة بالحلم والانتظار: «آه من العمر المسافر/ لما يمشي في اتجاه واحد حزين/ آه م الخريف».
عرض «من غير كلام» هو عرض واقعي بامتياز رغم كابوسية الرؤية، ومع ذلك تظهر في ثناياه وفي خاتمته دعوة للتفاؤل من خلال إيجاد آلية للمواجهة والرفض للأوضاع السائدة.
هو عرض لتمجيد الحرية الفردية والخروج عن السيطرة الأبوية أيا كانت دينية أو اجتماعية أو أسرية، عبر لغة سلسة هادئة بعيدة عن المباشرة، وذات دلالات عميقة ومتعددة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة