في الوقت الذي يحيي فيه العالم الذكري الستين لضحايا
هيروشيما ونجازاكي.. لم تعتذر الولايات المتحدة عن
جريمتها، بينما اغتنمت اليابان الفرصة لتعتذر عن جرائمها
العسكرية ضد العديد من بلدان شرق آسيا..
الأدهي من ذلك أن الولايات المتحدة، وهي الدولة الوحيدة في
العالم التي استخدمت الأسلحة الذرية، وتملك أكبر ترسانة
نووية في العالم، تلاحق الدول الصغيرة التي تسعي لامتلاك
التكنولوجيا النووية حتي ولو كانت تنوي استخدامها في
الأغراض السلمية..
وبدلا من أن تعتذر الولايات المتحدة عن جريمتها هدد الرئيس
الأمريكي بوش في 12 أغسطس بشن هجوم عسكري ضد إيران، مؤكدا
أن كل الخيارات مطروحة أمام واشنطن لمنع إيران من تنفيذ
برامجها النووية..
من المفارقات أن تصريحات بوش ضد إيران كانت للتليفزيون
الإسرائيلي!!.. الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تحتكر
امتلاك الأسلحة الذرية..
هذا الاختيار من جانب «بوش» لكي يوجه تهديداته لإيران يعيد
إلي الأذهان قيام إسرائيل عام 1981 بضرب المفاعل الذري
العراقي، واليوم يعرب «شارون» عن استعداده للقيام بنفس
العدوان علي المنشآت النووية الإيرانية، ويدعي بلا أي دليل
أن طهران تسعي سراً لتصنيع أسلحة نووية بينما تغمض واشنطن
أعينها عن ترسانة إسرائيل من الأسلحة الذرية..
علي طريق الشاه من المفارقات أن البرنامج النووي الإيراني لم يوضع في
طهران، بل وضع في واشنطن في أوائل السبعينيات، حينما كانت
إيران تحت حكم حليف وتابع لأمريكا وهو الشاه «محمد رضا
بهلوي» وشجعته الولايات المتحدة علي الاستثمار بكثافة في
البحوث النووية، ولكن بسقوط الشاه عام 1979 تسعي الولايات
المتحدة بكل السبل لمنع إيران من الاستمرار في برامج
«الشاه» النووية، وضغطت علي ألمانيا لإلغاء تعاقداتها مع
إيران الخاصة ببناء مفاعل نووي في «بوشهر».
رغم أن كل الدلائل تشير إلي أن إيران لا تسعي للتسلح
النووي، ورغم استجابتها لكل مطالب الوكالة الدولية للطاقة
الذرية.. إلا أنها وافقت في نوفمبر الماضي علي تجميد
أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم ، تحت ضغط البلدان
الأوربية الثلاثة «بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا» إلا أن
المفاوضات اتجهت نحو تخلي إيران عن مجمل برامجها النووية
مقابل حوافز اقتصادية وسياسية، فرفضت إيران وجمدت
المفاوضات وأصرت علي حقها في تطوير مشروعاتها النووية ما
دامت سلمية وخاضعة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية،
وتخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وعادت الدول الأوربية لتطالب إيران - بعد ضغوط من واشنطن -
بوقف تخصيب اليورانيوم مقابل التزام الاتحاد الأوربي
بتوفير الوقود اللازم لمفاعلاتهم النووية، وأعلنت إيران
رفضها، وأعادت العمل في مشروع أصفهان، لتخصيب اليورانيوم،
وفي مشروع «ناتانز» واستمرار وضعهما تحت إشراف ومراقبة
الوكالة الدولية للطاقة الذرية وردت إدارة بوش «بمطالبة
إيران بإغلاق مشروع أصفهان وهددت بفرض عقوبات عليها من
الأمم المتحدة.
«بوش» زعلان وبعد ضغوط أمريكية وأوروبية عقدت الوكالة الدولية
للطاقة الذرية اجتماعا طارئا في الأسبوع الثاني من أغسطس،
بهدف عرض القضية الإيرانية علي مجلس الأمن التابع للأمم
المتحدة.. إلا أن غالبية أعضاء الوكالة رفضوا الطلب
الأمريكي، ودعوا المدير العام للوكالة إلي إصدار تقرير
شامل عن مدي التزام إيران باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة
النووية، وذلك في موعد غايته 3 سبتمبر، من المتوقع أن يؤكد
التقرير أن إيران ليس لديها برنامج للتسلح النووي وأن
مشروعاتها مخصصة لأغراض سلمية، وفقا لمعاهدة الحد من
انتشار الأسلحة النووية.
وعلي الفور أعلن «بوش» عن استيائه من موقف الوكالة الدولية
للطاقة الذرية وأيضا من موقف البلدان الأوربية الثلاثة،
وأن كل الخيارات مطروحة أمام أمريكا لحماية أمنها
القومي...
لم تتجاهل بريطانيا وألمانيا خطورة تصريحات «بوش»، فأعلن
المتحدث باسم الخارجية البريطانية أن «موقفنا واضح.. نحن
لا نري أن هناك أية مبررات للقيام بعمل عسكري ضد إيران»..
وقال المستشار الألماني «جيرهارد شرودر»: «دعونا نتفاوض
بجدية وإخلاص، بعيدا عن التهديد بالخيار العسكري»
تعكس التصريحات البريطانية والألمانية القلق العميق من
لجوء الولايات المتحدة لعمل عسكري منفرد ضد إيران لن يسفر
إلا عن المزيد من الأضرار للمصالح الأوربية في المنطقة؛
كما تعكس الخوف من أن تسعي الولايات المتحدة للخروج من
مستنقع العراق بالاندفاع نحو مغامرة عسكرية جديدة..
وبصرف النظر عن مدي تأثير الموقف الأوربي أو حتي مدي قوته
أو تماسكه، فإن استراتيجية البيت الأبيض تعتمد علي استخدام
القوة العسكرية للهيمنة علي الثروات النفطية للمنطقة، وتري
الإدارة الأمريكية أنه رغم التعثر في العراق؛ إلا أنها
حققت هذا الهدف الاستراتيجي، وليس لديها مانع من الاندفاع
قدما نحو إيران.
الخيار النووي
وإذا كان البعض يتحدث عن استحالة الهجوم علي إيران في ظل
الفشل والتعثر في العراق؛ فإن الإدارة الأمريكية تبحث عن
وسائل أخري لضرب إيران، وليس بالضرورة أن تلجأ لغزو بري
شامل..
فأحد الخيارات المطروحة، والتي تناقش بجدية في البنتاجون
هو اللجوء للجيل الجديد من الأسلحة النووية الذي يستهدف
ضرب المنشآت الحصينة تحت الأرض، وفي هذا الإطار تروج
أمريكا وإسرائيل إلي أن إيران لديها منشآت نووية حصينة تحت
الأرض...
فهل تطور أمريكا حروبها بدفع أسلحتها النووية للميدان
وتوسع دوائر الحرب بعد أن تعثرت أسلحتها الحديثة غير
النووية وعجزت عن حسم الحرب العراقية لصالحها؟..