مع كامل تقديري لاعتبارات الحيدة المطلوبة للإنتخابات
الرئاسية ، وإقراري بلزوم تكافؤ الفرص المحال تحققه
لاعتبارات كثيرة جدا جلية جدا لاتفوت الأعمي كما لاتفوت
البصير، أطهرها أن تولي رئاسة مصر ليس نزهة ، وإنما هو عبء
ثقيل جدا ، يحتاج فضلا عن الذكاء والألمعية والصدق
والعزيمة والفطنة والعلم والبصيرة والمهارة إلي إلمام جاهز
فعلا ومتوفر فعلا الآن قبل باكر بمشكلات مصر وهمومها في
التعليم والثقافة والزراعة والصناعة والدفاع والأمن والصحة
والاقتصاد والري والصرف والتنمية والاسكان ، ومتاعبها في
الداخل والخارج ، وبقضاياها الداخلية والخارجية ،
والإقليمية والعالمية ، وبما يموج به العالم شماله وجنوبه
، وشرقه وغربه ، وفضاءه وبحاره وأرضه ، وتكتلاته ومنظماته
الدولية والإقليمية ، من مشاكل وصراعات وحروب وأزمات بالغة
التعقيد والأهمية ، كل هذا وغيره يجعل من التقدم محض
التقدم لرئاسة مصر، عملاً بالغ الخطر والجلال ينبغي
للمتقدم أن يحسب له حسابه ، وأن يتهيأ له ، وأن يعد له
عدته اللازمة سواء لاستكمال مقوماته الشخصية القائمة علي
الإستعداد والكفاءة والصلاحية وعليه الإلمام الكامل اليوم
وليس الغد بما طرحته من هموم وقضايا علي سبيل المثال لا
الحصر ، أم بإتخاذ الأسباب لطرح نفسه ومشروعه الفكري
والسياسي علي الناس ، ناهيك بإقناعهم بصلاحيته وكفاءته
للإضطلاع بصدق بغير مخاتلة ولا خداع وقدرته علي تحقيق ما
يعدهم ويمنيهم به !!
لذلك فطريف مضحك حتي النخاع ، أن يتحقق تكافؤ فرص بمجرد
دفع نصف مليون جنيه عدا ونقدا لكل مرشح من المرشحين الذين
إستهواهم الترشيح صادقين أو مستعرضين ، جادين أو هازلين ،
ليستعين به علي حملته الانتخابية !! فالفرض الحاصل الواضح
الظاهر أن جميع المرشحين مرشحو أحزاب ، فبغض النظر عن
مقاطعة التجمع والعربي الناصري للترشيح ، فإنه لم يكن
ممكنا لأي مستقل مهما بلغ حجمه ومكانته وكفاءته وقدرته
وصلاحيته وأرجحيته أن يجمع النصاب التعجيزي الذي فرضته
المادة /76 المعدلة بالدستور : أطول مادة في دساتير العالم
، ومؤدي ذلك بوضوح بلا فلسفات أن هناك حزبا سياسيا وراء كل
مرشح من هؤلاء المرشحين العشرة ، ولا أحسب أن " منحة "
النصف مليون جنيه مقررة من أجل الحزب الوطني ، فهو بداهة
لايحتاجها ، ولا أحسب أن حزب الوفد في حاجة هو الآخر إليها
وهنا ينحسر وينكشف الغطاء عن أحزاب ولا أحزاب ، مع أن
الفرض في الحزب الذي يتقدم بمرشح له لهذا الموقع الرفيع ،
أن يكون كيانا كبيرا قائما ..صلباً لا خزفاً ، وأن يكون قد
استكمل من " المقومات " ما يجعله قادراً علي " إفراز "
وتقديم المرشح الكفء اللائق لرئاسة مصر من ناحية ، وقادرا
في الوقت نفسه علي دعمه وتأييده وتحمل تكاليف ترشيحه
وحملته الإنتخابية والوقوف معه ومن ورائه من ناحية أخري ،
وإلاّ بات الترشح هزلاً في هزل !! ولست بالذي يصادر علي حق
أحد أي أحد في أن يجد أو يهزل كما يشاء ، ولا في أن يصدق
أو يتوهم أو يستعرض ، ولا في أن يقدر أو لا يقدر نفسه بما
يشاء .. من حق كل إنسان أن يتصور أو يعتقد أو يظن أو يتوهم
نفسه أحكم وأعلم وأخلص وأعقل وأقدر وأكفأ الناس ، وأن يجد
أو يهزل أو يستعرض نفسه بما يشاء ، شريطة أن يتحمل هو لا
غيره نتيجة وتكاليف تقديره جاداً أو هازلاً أعباء اختياره
وخطوته التي اتخذها استجابة لما اعتقده أو ظنه أو توهمه أو
أراده أو تمناه !!
بيد أن تكافؤ الفرص المرجو أو الموهوم ، قد هيأ للقانون
174 / 2005 المعد في عجالة ،أن يمنح كل مرشح للرئاسة هبةً
قدرها نصف مليون جنيه عداً ونقداً ، هذه " الهبة " هي في
الظاهر من أموال الدولة أي من الأموال العامة ، وهي بهذه
الصفة جديرة بالرعاية وواجبة الحفظ والصيانة من الإسراف
والتفريط والبعزقة ، ثم هي في الواقع وهذا هو الأهم اقتطاع
من أموال الفقراء والمعوزين والمعدمين الذين لم يعد يراهم
سكان العواصم والأحياء الراقية ولا القانعون بما تعرضه
الشاشات التليفزيونية من مشاهد منتقاة تتجنب وتعاف الفقر
والفقراء ، وتحرص علي ألاّ تؤذي العيون والمشاعر المرهفة
بما يؤرق الضمائر علي حال البؤساء الذين يعيشون في القري
والنجوع والدساكر ، وفي العشوائيات ، تحت خط الفقر ،
وتتجنب أن تفسد عليهم المناظر الخلابة المختارة ،
والإعلانات الجاذبة ، والمشاهد الوردية ، بمشاهدة من
يتقيأون دماً من جوع البطون ، ويستعيضون بالعظام عن اللحوم
.. هؤلاء الذين يرون اللحم من العام للعام إلاّ للمستورين
منهم فقط - وفي المواسم والأعياد ، يبيتون علي الطوي ،
وتنحر أمراض الفقر وسوء التغذية في أجسامهم النحيلة
المتلامسة مع الموت ، يأكلون وينامون حيث يقضون حاجاتهم ،
ويشربون من حيث تشرب الكلاب والبهائم ، وتختلط أجسامهم في
سكني القبور بأجساد الموتي ، ويتلامس لحمهم وأنفاسهم في
زنقة وتلاحم العشوائيات حتي ترتد النفوس إلي " الحيوانية "
فلا تعد تفرق بين الأخ وأخته أو بين الأم وابنها أو بين
الأب وابنته ، فينمو زنا المحارم في رحم التلاحم الحيواني
، ويصير الأب أباً وجداً في ذات الوقت ، أو أباً وخالاً ،
أو تصير الأم أماً وجدة ، أو أما وعمة ، وتتراكم العلاقات
بسلبياتها المدمرة حتي تتفشي وتستشري وتستعصي وتصادر علي
أي حال !
من أموال هؤلاء البؤساء التعساء ، تعطي المادة / 25 من
قانون الإنتخابات الرئاسية رقم 174/2005 لكل مرشح استهواه
الترشيح جاداً أو هازلاً تعطيه إذعانا لوهم أو أحبولة
تكافؤ الفرص نصف مليون جنيه ، عداً ونقداً ، وبلا ضابط أو
حساب !.. الحساب الوحيد الذي يجيزه التشريع الضرير ما نصت
عليه المادة /24 من ذات القانون ، والتي قضت بألاّ يتجاوز
الحد في الصرف عشرة ملايين جنيه !! ، ولست أحسب أحداً من
الأحزاب الفرط سيصل في الصرف إلي هذا الحد الأقصي ناهيك
بأن يتجاوزه ( منين ياحسرة ؟! ) ، وإنما هي " وّهْبة " و "
منحة " مجانية من أموال الفقراء والتعساء والبؤساء الذين
أغنانا الغني عن الإلتفات إليهم وصرفنا صرفاً عن توجيه هذه
الأموال إلي جبر ما هم فيه من تعاسة وبؤس وشقاء !!
ما أبأس أن يحتج المرشح في إمساكه بتلابيب " المنحة " أو
الوهبة " وفي قضمه وابتلاعه هذه القضمة من أموال الشعب
بأنها من القانون وبالقانون الذي يتذرع أو يتعلل باحترامه
! .. لمثل هذا أقول : ولكن القانون لايجبرك ولا يمنعك من
أن تعف وأن تتنازل عن قبول " الوهبة " ، ولا يحول بينك
وبين أن تعلن وحزبك الذي رشحك لبني مصر المحروسة ، أنكما
معا كفيلان بأن تتحملا سويا أعباء وتكاليف الحملة
الإنتخابية ، تماما كما احتملتما قرار التقدم للترشيح
وجرأة الإطمئنان إلي حيازة كل المقومات والممكنات والقدرات
والكفاءات اللازمة للرئاسة أو التنافس علي رئاسة مصر التي
باتت للأسف شقية ببنيها !!!