يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1241 (17-24) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

عالة علي الآخرين

 
 

مصطفي الخولي

 

 
العنوان ليس من عندي ولكنه. لقصة للأديب الروسي الرائع انطوان تشيكوف، وربما لا يكون له علاقة بالموضوع. لا أدري لماذا تذكرت ذلك العنوان وأنا أكتب..
حسنًا.. مارا «بدكان» صغير في حي كليوباترا بالإسكندرية، توقفت السيارة كالعادة لانسداد الشارع بزحام المرور، الجو مقبض ووجوه المارة تدعو للسأم أو ربما هي الملل مجسدًا. نظرت لوجهي في مرآة السيارة، نفس التعبيرات والملامح.. نعود للدكان.. ضيق ومنخفض قليلا عن مستوي الرصيف، رجل يحمل نفس الانطباع، يعمل بتكاسل، يبدو أنه يقوم بإصلاح سجادة (رفا.. كما يقال) أخذت أراقبه.. بتركيز.. أكاد أسمعه يدندن بأغنية.. أو لحن.. ربما موال حزين، انتبه لنظراتي.. صمت، حولت نظري خجلاً من تطفلي.. تعجبت.. كيف لم أر هذا؟! لافتة علي واجهة الدكان مكتوبة بخط حزين يدعو للملل والسأم مثل وجوه المارة، كلمات اللافتة جعلتني أتمني استمرار زحام الظهيرة، ودوام الوقوف أمامها. ثم.. بلون أسود وتحت عنوان: «البقاء لله».. تقول اللافتة: «انتقل إلي رحمة الله حكام العرب، تشيع الجنازة من صوان جامع الدول العربية ولا عزاء للشعوب - لا أراكم الله مكروهًا في زعيم لديكم».
فكرت سريعًا في أن أقدم واجب العزاء للرجل.. إلا أنني تراجعت متذكرًا أنني أحد أفراد تلك الشعوب، ثم يبدو أن الجنازة قد تم تشييعها منذ مدة طويلة لأن قماش اللافتة باهت نوعًا بفعل القدم والشمس والتراب وربما من كبت وقهر شعر به صاحب الدكان، كما أن السيارات بدأت علي البعد تتحرك حيث إن بعد العسر يسرًا.. إلا أنها توقفت سريعًا.. ومازلنا في مكاننا.
سريعًا أخذت أتنقل ببصري بين اللافتة والرجل وأتساءل: ما الذي يربط مواطنًا بسيطًا بكل الحكام العرب؟ ثم لماذا يقوم بدور صفحة وفيات «الأهرام»؟ وينوب عن دوائر الحكم «المختصة» في تحديد مكان الجنازة، وينصب نفسه موجهًا للشعوب، ثم داعيًا لها؟
مرة أخري انتبه الرجل - ربما لضجيج «كلاكسات» السيارات منطلقة بعصبية، ومرة أخري تلاقت نظراتنا.. تعجبت لأن الرجل ضحك بسخرية مصرية مشيرًا إلي اللافتة فوقه، متسائلاً: «عجبتك»؟ «أنا دايمًا أقعد تحتها علي الرصيف.. الدكانة ضيقة زي العيشة، تخنق.. كل حاجة تخنق.. مش كده؟ وإلا انت مش معايا»؟
فجأة سمعت صراخًا خلفي يتبعه كونشرتو شتائم يصرخ دومًا أمام إشارات المرور، وتقاطعات شوارع المحروسة، آه.. نسيت نفسي.. الطريق مفتوح أمامي وأنا أقف متأملاً اللافتة والرجل، الواجهة والمضمون، الأصل والفصل.. خجلاً من إعاقتي للمرور هذه المرة.. وخوفًا من تصاعد سيمفونية الإهانات خلفي خاصة من سائقي التاكسي، تحركت دون رد علي الرجل.. أو تعليق علي اللافتة..
تساءلت: كيف لمواطن بسيط كهذا.. أن يقوم بتعليق لافتة كهذه.. في مكان عام وشارع معروف هكذا؟ وبالقرب منه قسم شرطة ونقطة بوليس؟ وعلي البعد أفراد «مباحث» عامة وخاصة، وجحافل أمن مركزي، وغيرها؟! محاولا عدم إجهاد ذهني.. - المنهك أصلاً - قلت: ربما كان مجنونًا.. إلا أن التفسير لم يكن مقنعًا.. فنظرات الرجل وكلماته، وضحكته الواثقة، تقول عكس ذلك.. - لا شك أنه يشكو مثل الـ 95% - من ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل، متمثلة في تعنت الدولار وانصياع الجنيه، ثم ضيق المساكن واتساع الذمم، ووفرة التصريحات وندرة الإنجازات، وقلة الأفراح وكثرة الأصفار.. كما يدعون.. لكن أحدًا لم يهتم بتعليق لافتة عزاء كهذه.. ثم كيف يجرؤ علي أن يكون فألاً «غير حسن» علي السادة الحكام أجمعين ومنهم من يصل الليل بالنهار في كفاح متصل لصالحه.. وصالح أمثاله ومحاولا ثانية عدم إجهاد فكري - المتواضع فعلاً - قلت: «ربما كان جاحدًا، ناكرًا للجميل»، ومتذكرًا تعبيرات المرحوم السادات أكملت: «دا حقد.. دي وقاحة».. ويبدو أنني كنت أفكر بصوت مسموع نوعًا، تعمدت - احتياطًا - بعدها أن أرفع نبراته مقلدًا ذلك السوبرانو الإيطالي الأشهر: بافاروتي، عندما لاحظت ضابط شرطة يقف بجواري - وأكاد ابتسم بكل سعادة وفخر مرددًا: «إحنا بـ نعاني من الرخاء يا همت يا بنتي».
بعدما ابتعد الضابط أردفت بصوت من طبقة «الباص»: «إحنا بـ نعاني.. ولمحت فجأة مخبرًا يتبع الضابط.. أكملت عائدًا إلي «التينور»: «بـ نعاني من الزحام والحر، ولا نعاني خالص من التلوث ولا من الفساد».. أسعدني عدم اهتمام الضابط الشاب.. مثلما أسعدني انتشاء المخبر لألحاني.
عدت لمنزلي بسلام عادل وربما استراتيجي، وبعد دش بارد وغداء أكثر برودة.. تشاغلت بمشاهدة التليفزيون متناسيًا كل ما مر بي من أحداث فارقة في لحظات مصيرية تنبع من الداخل دون ضغوط من الخارج وفجأة.. علي إحدي الفضائيات.. قرأ مذيع النشرة خبرًا صاحبه الشريط.. «الأمم المتحدة تحذر من تفاقم مشكلة الفقر في مصر وتطالب الحكومة بإيجاد حلول لها».. لم أصدق في البداية، استمر دوران الشريط وعليه الخبر.. عاد الزحام والحر والضجيج، هذه المرة في رأسي.. وضاع تأثير الدش البارد والطعام الأبرد.. حيث كان الخبر يدعو للتجمد. لمزيد من التجمد.
الأمم المتحدة؟! الشارع الأول.. مانهاتن، نيويورك..
تذكرت أن أحد أصدقاء العمر يعمل هناك، في الدور السابع عشر تحديدًا.. منذ سنوات طويلة كنت أداوم علي زيارته أسبوعيًا في مكتبه بقسم الترجمة العربية.. عرفت منها كيف تشكل لجان البحث والرصد والتحليل، كيف تعد التقارير، وتصدر النتائج وتنشر التحذيرات، كيف تطالب الحكومات بإيجاد الحلول.. لم يحدث أن صدر تحذير للسويد أو اليابان، وإنما صدر كثيرًا للصومال والسودان..
كان صديقي يتندر قائلا: «اللجان دي عايشة علي الشعوب الغلبانة دي.. أرقام.. وإحصائيات، وبراهين.. تكاد تتطابق هنا وهناك.. الحكومات تتماثل حتي مع اختلاف الشعوب دي.. الفساد عامل مشترك، مثل الفقر، مثل نسبة الـ 5% وربما الـ 1%، أول تقرير بس هو الصعب، بعد كده مافيش مشكلة.. المشكلة فقط تخص الشعوب».
يا خبر.. الأمم المتحدة تحذر، وكمان تطالب!! أمال المسئولين بيعملوا إيه؟ تتداعي الذكريات.. قيام مظاهرات في إنجلترا ضد غزو وتدمير العراق، قبلها: ردة فعل شعبية غاضبة في شوارع النمسا ضد قرار الحكومة (الحكومة النمساوية) بدفن نفايات ذرية في الصحراء الغربية في مصر.. بعدها..
تداخلت الأمور والمشاعر في ذهني.. وتبلد تفكيري دون مبرر واضح، وبلا مقدمات وفيما يشبه الهذيان طاف بخيالي شعبان عبد الرحيم ومهاتير والجلبي والدعم والحكومة الإلكترونية، وكونداليزا والخطة الخمسية وصباح فخري، وأم كلثوم والكتاب الأخضر، وكان لابد من التغيير، خرجت - مفكرًا في براعة عنوان تشيكوف - في طريقي إلي كليوباتره.. سائرًا ببطء، نسيم المساء عليل مثل الناس، زحام الشارع انتقل إلي المقاهي، الضجيج تحول إلي حوار ساخن حول الـ دي إن إيه (DNA) - ومازالت اللافتة معلقة، ومازال الرجل منكبًا تحت ضوء شاحب، ومازالت الكلمات واضحة فوقه: لا عزاء للشعوب..
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة