فشل النظام الرئاسي في إدارة البلاد علي أساس ديمقراطي
نجوي إبراهيم
في الوقت الذي تنمو فيه حركة الإصلاح السياسي بمعدلات
معقولة لا يزال الفكر الدستوري في مصر حبيساً للنموذج
الأساسي الذي أنتجته ثورة يوليو في ظروف دولية ومحلية
خاصة، وهو النظام الرئاسي الذي يتم بطابعه الاستبدادي
التعسفي.. في حين إن الإصلاح السياسي في مصر لن ينطلق إلي
آفاقه المأمولة بدون إحداث قطيعة مع المعطيات التاريخية
والنفسية والسياسية للنظام الرئاسي.
وحول الأسباب والحجج التي تسند الدعوة للانتقال إلي نظام
برلماني في مصر يدور التحقيق التالي..
يري د. محمد السيد سعيد - نائب مدير مركز الأهرام للدراسات
السياسية والاستراتيجية «أن الإصلاح السياسي في مصر لن
ينطلق حقاً إلي آفاقه المأمولة والواقعية بدون التحول عن
النظام الرئاسي الحالي للنظام البرلماني، خاصة أن النظام
الرئاسي الذي تطور في مصر عام 1953 لم يؤسس لوضع استبدادي
متطرف فحسب بل أيضاً أتسم بالطابع التعسفي والفوضوي واتسم
بالتطرف الشديد في تركيز السلطة بيد الرئيس علي نحو لم
تشهده البلاد التي عاشت تجارب شمولية أو تسلطية أخري مثل
دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق أو الصين
حالياً ذلك لأن الأحزاب الحاكمة كانت قوية، وكان بوسعها في
حالات كثيرة خلع الرئيس أو رئيس الوزراء عندما يصطدم أو
يعبث بنظام الدولة أما في الحالة المصرية فحزب الدولة هو
حزب الرئيس وبيده كل شيء آخر في البلاد، وهو الآمر الذي
يربي نخبة عاجزة و منعدمة الموهبة القيادية.
ويضيف د. محمد سعيد «أن النظام الرئاسي أو الفردي المتطرف
أو حتي المعتدل لا يمكنه تنمية نظام الدولة، وكانت مصر
تتمتع في ظل النظام البرلماني الذي أخذ به دستور عام 1923
بإدارة عامة وقوية ومستقرة نسبياً وهو الأمر الذي حقق
نتائج مبهرة علي مستوي التجديدات الكبري في التكنولوجيات
الريادية فضلا عن مختلف الشئون المدنية مثل الصحة والتعليم
والبناء والنقل والتخطيط الحضري مما يؤكد أن النظام
البرلماني أكثر قدرة بكثير علي تنمية نظام الدولة، خاصة
أنه في ظل النظم الرئاسية الشديدة المركزية يمكن أن تنمو
عصابات أو مراكز قوي تسمي «بدولة خلدونية» حيث تنتعش في كل
الأنواع بينما يتطلب الانتقال إلي الدولة الحديثة الأخذ
بالنظام البرلماني فهو وحده القادر علي تنمية النظام
السياسي والدستوري في البلاد لأنه النظام الذي يستطيع أن
يوحد بين نظام الوزارات من ناحية ونظام المسئولية
الدستورية من ناحية أخري، ويضع حداً لسلطات الرئيس
المطلقة.
ويؤكد د.سعيد أن النظام البرلماني يقوم علي توزيع السلطات
بصورة تتحيز للبرلمان علي حساب الحزب الحاكم وهو ما يتسق
مع معني ودلالة الديمقراطية، كما أن هذا النظام هو الأكثر
قدرة علي إنعاش الأحزاب السياسية لأن تركز السلطة الفعلية
في يد البرلمان يجعل الأحزاب وليس الأشخاص محور الحياة
السياسية ويركز أذهان المواطنين علي الجوانب السياسية
والفكرية والأيديولوجية للعملية الانتخابية لا علي
المقارنات الشخصية كما في النظم الرئاسية فالنظام
البرلماني يضمن نضوج وتبلور الأحزاب وتقويتها كمؤسسات تلعب
الدور الأكبر في الحياة السياسية فضلا عن تجديدها بصورة
دورية حيث تجري التقاليد الفعلية علي استقالة رؤساء
الأحزاب الذين ينهزمون في الانتخابات العامة.
أما د. محمد ميرغني خيري - أستاذ القانون العام بجامعة عين
شمس فيقول إن النظام الرئاسي يعطي سلطات لرئيس الدولة
ويكون الرئيس فيه صاحب الحكومة وأقرب مثال علي ذلك أمريكا،
فهناك رئيس الجمهورية أما الوزراء فهم تابعون للرئيس، أما
في ظل النظام الجمهوري البرلماني فهناك فصل واضح بين رئيس
الدولة ورئيس الحكومة ومثال ذلك النظام المتبع في إسرائيل
والهند وألمانيا، ورئيس الدولة في هذه الدول يكون منصب
بروتوكوليا وشرفيا والسلطة الحقيقية تكون في يد مجلس
الوزراء أو بالأخص في يد الوزير الأول أو رئيس الوزراء،
وأي قرار يتخذه يكون قرار الحكومة كما إن هذه الحكومة
تنتخب من الشعب أي تمثل الأغلبية، وتكون مسئولة أمام
البرلمان.
ومن هنا تتم المفاضلة بين النظامين، ولا يمكن أن نقول إنه
يوجد نظام أفضل من النظام الآخر فكليهما له مميزات وعيوب.
ويري د. «ميرغني» أن في مصر من الأفضل التحول إلي النظام
الجمهوري البرلماني يتاح فيه قدر من الحريات وتخف من قبضة
الحكومة الرهيبة وهيمنة السلطة، لأن السلطة كلها في يد
الرئيس مما يؤدي إلي انحرافات ولا يعطي فرصة للرأي والرأي
الآخر.
ويؤكد د. ميرغني أنه مهما كان نظام الحكم ينبغي ألا تزيد
مدة الرئاسة عن 5 سنوات والتجديد يكون لمدة واحدة وإذا لم
ينطبق هذا فالنظام يكون بعيدا تماماً عن النظم الديمقراطية
ويكون أشبه بالنظام الملكي ومن الضروري أن نكف عن سياسة
الحكم الدكتاتوري الأحادي الذي يفوز دائما بأغلبية تصل إلي
99% خاصة أن الأغلبية في معظم الدول فرنسا وأمريكا وإيران
لا تتجاوز 60%.
أما د. ضياء رشوان - أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية - فيقول إن النظام البرلماني يعطي فرصة مباشرة
لاختيار الحكومة صاحبة الصلاحيات الكاملة، والبرلمان هنا
هو المنوط به تشكيل الحكومة، أما رئيس البلاد فهو يملك
ولكنه لا يحكم، وهذا يحقق عدالة في توزيع السلطات يضع
الحكومة أمام مساءلة البرلمان في حالة وقوعها في خطأ ويعطي
البرلمان الحق في إقالة الحكومة وكل هذه الأمور غير متحققة
في ظل النظام الرئاسي الحالي كما أن النظام البرلماني يقلص
من صلاحيات الرئيس ويضع كل هذه الصلاحيات في يد الحكومة
والبرلمان.
ويقول د. ضياء رشوان من الممكن أن نطرح في الوقت الحالي
فكرة النظام الفرنسي المختلط، ولكن مشكلة تطبيق هذا النظام
تتركز في الصلاحيات المتاحة للرئيس فلا يوجد هناك ضمانات
تؤكد حصول البرلمان علي نفس صلاحيات الرئيس وبالتالي
فالأمر يتطلب ضرورة التحول إلي النظام الجمهوري البرلماني.
ويشير المستشار أحمد مكي - نائب رئيس محكمة النقض - إلي أن
نظام الجمهورية البرلمانية هو النظام الأمثل لمصر ولكثير
من دول العالم الثالث نظرا لما تعانية الأنظمة في هذه
الدول من تغول السلطة التنفيذية علي السلطة القضائية
والتشريعية، كما أن الحكم الرئاسي بالصورة التي طبق بها هو
حكم فردي أو سلطوي استبدادي ومن المفترض ألا يتسم النظام
الرئاسي بالتطرف الشديد في تركيز السلطة بيد الرئيس كما هو
الواقع في مصر، ففي الولايات المتحدة وهي دولة تتبع النظام
الرئاسي نجد أن سلطة الكونجرس الأمريكي معادلة لسلطة
الرئيس ولكن في مصر فالنظام الرئاسي الذي منح للرئيس سلطات
لا حصر لها أضر بالحياة السياسية وأطاح بالأحزاب وكأننا
نعيش في ظل الحزب الواحد وهذا ليس في مصر وحدها ولكن معظم
دول العالم الثالث، ولذلك ابتعدت بلاد قريبة في تكوينها
الاجتماعي والثقافي من بلاد العالم الثالث عن هذا النظام
واتبعت النظام البرلماني وهي الهند وتركيا.
أما أحمد عبد الحفيظ - محام وعضو المكتب السياسي بالحزب
الناصري - فيري إن عملية الإصلاح الحقيقي تتطلب توافر عدة
شروط في الدستور منها التوازن في السلطات بين مؤسسات
النظام السياسي وفقاً لطبيعة النظام وبغض النظر عن نوع
النظام السياسي وطبيعته برلمانيا كان أم رئاسيا فإن
الدستور يجب أن يضمن توازن السلطات وتوزيع المسئوليات
وعمليات رقابة متبادلة، وهو الأمر الذي يضمن ألا ينفرد شخص
أو تنفرد مؤسسة بالقوة والنفوذ علي حساب الأشخاص أو
المؤسسات الأخري.
ويقول إن الأساس في أي نظام حكم هو الديمقراطية، وبالتالي
فأنا أفضل أن نسير علي نمط النظام الفرنسي الذي يعتبر
نظاما نصف رئاسي بصورة ديمقراطية تتآكل فيه صلاحيات الرئيس
ويكون مسئولا أمام البرلمان.
ويؤكد المستشار محمد الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية أن
النظام البرلماني يكون فيه رئيس الجمهورية يحكم ولا يملك
فلابد أن تكون السلطة في مصر أمامها من يسألها ولكن الذي
يحدث في ظل النظام الرئاسي هو أن رئيس الجمهورية لديه كل
الصلاحيات ولا يملك البرلمان محاسبته إذا أخطأ في استخدام
سلطته، كما أن الدستور يمنح الرئيس سلطات مطلقة بينما
يكتفي بمحاسبة وزرائه وهم مجرد مساعدين لا مكانة شكلية أو
دستورية لهم في نظام السلطة، وبالتالي نحن نحتاج إلي صياغة
دستور جديد ينص علي النظام البرلماني في الحكم ويفصل بين
السلطات ويكون قادراً علي محاسبة السلطة التنفيذية.
أما أحمد حمروش - أحد أبرز ضباط ثورة يوليو، ورئيس اللجنة
للتضامن - يري أن الدستور الحالي ككل لم يعد مناسباً؛ فنحن
نحتاج إلي دستور جديد يقوم علي إطلاق الحريات وتداول
السلطة وتحديد مدة الرئاسة بألا تزيد علي مرتين وتحديد
اختصاصات الرئيس والنص علي ألا يكون رئيس البلاد هو نفسه
رئيس الحزب الحاكم فضلا عن ضرورة التحول إلي نظام
الجمهورية البرلمانية في الحكم حيث إن النظام الجمهوري
البرلماني هو الأصلح لمصر الآن بعد فشل النظام الرئاسي في
إدارة البلاد علي أساس ديمقراطي.