يربط رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون مشروع المستوطنات
بذكري والدته «فيرا شايزمان».
فهو يروي أن والدته خرجت ذات مرة في إحدي ليالي عام 1977
لكي تمزق السياج الذي وضعته هيئات الاستيطان حول مزرعتهم،
لم تشأ الوالدة أن يظل المنزل الذي تقيم فيه بالمستوطنة
محصورا في مساحة معينة، ويعلق شارون علي ما صنعته والدته
بلهجة حماسية، فيقول: «الأفعال تخلق الوقائع، ووالدتي لم
تستشر محاميا00 لقد فهمت ما يجب عليها أن تفعله، وفعلته».
لو كنت مكانكم والمستوطنات عند شارون تمثل شاهدا فوق ضريح ابنه الميت
«جور»، الذي كان يشير بإصبعه إلي ما وراء حدود 4 يونيو
1967، ويقول لوالدة: «تلك أيضا أرضنا، ولكنها ليست
بأيدينا»!!.
المستوطنات - إذن - بالنسبة لشارون إحياء لذكري والدته
وابنه.
ولذلك عندما توجه الجنود الإسرائيليون في يونيو عام 1974
لإخلاء مستوطنة «ألون موريه»، بأوامر من الحكومة دافع
شارون بجسده ويديه عن المستوطنين، وقال للجنود: «هذا أمر
عسكري غير أخلاقي، ويجب رفض تنفيذ أوامر من هذا القبيل، لو
كنت مكانكم لما نفذت هذا الأمر»!.
وهذا ما فعله المستوطنون بالضبط.
كانوا ينفذون ما طلبه منهم شارون قبل أكثر من ثلاثين
عاما!.
خطوات محظورة وفي عام 1979، قام شارون بجولة علي المستوطنات في
الضفة الغربية، وقال للمستوطنين: «كل ما لا تفعله الحكومة
من أجلكم.. افعلوه أنتم، من أجلكم ومن أجل إسرائيل، اعملوا
في الأرض واخلقوا وقائع، كما كان الحال دوما، والحكومة
ستلحق بكم، الأمر يستغرق بعض الوقت، ولكنكم الطليعة»!.
وجاء وقت اقترح فيه شارون أن تقوم كل جالية يهودية في
مدينة أمريكية بتبني مستوطنة في «يهودا والسامرة» وغزة
وهضبة الجولان والجليل وتقيم في كل منها معبدا يهوديا أو
مدرسة دينية!.
وكان شارون يسخر من هؤلاء الذين أطلق عليهم «العناصر
السيئة من اليساريين» ويقول: (ألم يزعم رجال حركة «السلام
الآن» «الإسرائيلية» أن المستوطنات عقبة في طريق السلام؟!)
ويضيف قائلا: «إذا ما أردنا المحافظة علي حياتنا وحياة
أبنائنا وأحفادنا، فإنه محظور علينا الخروج من يهودا
والسامرة»!.
وكانت رغبة شارون في أن يتولي منصب رئيس الأركان - إن لم
يكن وزير الدفاع - مرتبطة بإقامة مشروعه الاستيطاني، أما
حلقة الربط، فهي حركة «جوس ايمونيم» الاستيطانية المتطرفة.
والسنوات التي تبلورت فيها فلسفة الرجل السياسية تقع بين
عامي 1977 و1982، فهي الفترة التي شكلت النافذة لقيام هذا
المشروع الاستيطاني.
بداية النهاية وفي عام 1978، أعلن شارون أنه «يستحيل وقف الاستيطان
في فترة المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين لأن هذا يضعنا
أمام موقف غير محتمل، إذ إن المفاوضات قد تستمر سنوات»!.
ومع ذلك، فإنه بخروج المستوطنين من قطاع غزة وتفكيك
مستوطناتهم تحل لحظة بداية النهاية في تاريخ الاحتلال، علي
حد تعبير الدكتور مصطفي البرغوثي، الأمين العام للمبادرة
الوطنية الفلسطينية، ذلك لأنه - ولأول مرة منذ عام 1897 -
يدخل حلم الحركة الصهيونية عالم الواقع العنيد ويبدأ
التراجع إلي الوراء.
حالة «صدمة» تم الانسحاب الإسرائيلي من غزة بعد إنفاق ملايين
الدولارات من أجل المحافظة علي أمن وسلامة المستوطنين
الإسرائيليين داخل القطاع.. وانتصرت المقاومة الفلسطينية.
والآن تظهر في الشارع الإسرائيلي صور عديدة تعبر عن حقيقة
واحدة: انهيار الصهيونية التقليدية وسقوط الأفكار التي نشأ
وتربي عليها الإسرائيليون.
فالمستوطنات - بالنسبة للإسرائيلي - ليست مجرد مكان يحتوي
علي مساكن للمهاجرين اليهود الذين يمكن نقلهم إلي مكان
آخر.. ولكنها رمز لإسرائيل الكبري وللدولة الصهيونية
الممتدة علي كل الأراضي الفلسطينية.
ويعتبر الحاخامات اليهود أن المستوطنات تشكل جزءا أصيلا من
الفكر الديني اليهودي ورمزا لـ «عودة» المهاجرين اليهود من
أرض الشتات ومصدرا للإنتاج.
ويقول المعلق الإسرائيلي بن كسفيت في صحيفة «معاريف» إن
الشارع الإسرائيلي في حالة «صدمة».
وحتي «يوسي لابيد» عضو الكنيست الإسرائيلي ورئيس كتلة
«شينوي»، المؤيد للانسحاب من غزة، يري أن هذا الانسحاب كان
يحتاج إلي تمهيد حتي لا يقع انهيار في الشارع
الإسرائيلي!!.
نقلة نوعية.. ولكن الآن يعترف شارون بأن الانسحاب من غزة جاء نتيجة
عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال والمستوطنين،
يقول: كان واضحا لي منذ البداية أن الانسحاب من القطاع لن
يمر بسهولة، لكن الوجود في غزة وكل ما يتعلق بذلك، والثمن
الذي ندفعه كان يجب أن ينتهي.
ورغم أن تحرير قطاع غزة من الاحتلال يشكل نقلة نوعية في
مسيرة النضال الفلسطيني، فإن الفلسطينيين يدركون جيدا أنه
ليس نهاية المطاف، ولا يشكل إنجازا كاملا للأهداف الوطنية
الفلسطينية الثابتة، فالضفة الغربية - بما فيها القدس
الشرقية - ماتزال في قبضة الاحتلال وتصريحات شارون تعبر
بوضوح عن نوايا الحكومة الإسرائيلية لتكريس الاحتلال
لمساحات واسعة من أراضي الضفة بالكتل الاستيطانية الكبري،
خاصة إرييل ومعاليه أدوميم وغوش عتصيون، وهو مثلث يشطر
الضفة الغربية إلي شطرين ويقطع الاتصال بين القدس الغربية
وعمقها الاستراتيجي والجغرافي الفلسطيني في الضفة.
تحديات أشد خطورة ومن هنا يواجه الفلسطينيون تحديات أشد خطورة في الفترة
القادمة.
والمعروف أن مساحة كل قطاع غزة لا تتجاوز 6 في المائة من
مساحة الضفة الغربية، وما لا يزيد علي واحد في المائة من
مساحة فلسطين0
والمطلوب أن تكون غزة هي مجرد البداية وليست النهاية0 ولا
تفوتنا الإشارة إلي معركة السيطرة علي المعابر فإسرائيل
تريد المعابر خاضعة لسيطرتها تعبيرا عن استمرار بقاء قطاع
غزة- أرضا وبشرا وسلطة- تحت سيادتها الفعلية حتي بعد إلغاء
الوجود المباشر لقواتها ومستوطنيها0
والسلطة الفلسطينية تريد السيطرة الكاملة علي كل هذه
المعابر حتي يكون الانسحاب من غزة خطوة علي طريق استقلال
الدولة الفلسطينية علي الأراضي التي احتلت في عدوان الخامس
من يونيو عام 01967
وإذا كان نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية «إيهود اولمرت» قد
اعترف أخيراً بأن وجود الآلاف من المستوطنين في غزة بين
مليون ونصف فلسطيني كان يشكل عبئا أمنيا علي الدولة
الإسرائيلية، حيث كان جيش الاحتلال يلعب دور «الدرع
الواقية» لهم طوال السنوات الماضية، فإنه لامعني لإعطاء
وزن لتصريحات قادة المستوطنين وفتاوي الحاخامات الدينية0
فتاوي الحاخامات صحيح أن هناك أفكارا وأنشطة إرهابية الآن في معسكر
الرافضين للخروج من غزة0 وصحيح أن هناك قوي داخل
المستوطنين تعد الآن لعمليات إرهابية0 وكان ذلك معروفا قبل
وقوع حادث شفا عمرو0 وقد تمكن هؤلاء المستوطنون من تجنيد
عدد كبير من رجال الدين اليهود إلي جانبهم لإصدار فتاوي
تحرم الانسحاب وتحظر إزالة المستوطنات0
نوايا مكشوفة في منتصف شهر يوليو عام 2003، أصدر الكنيست الإسرائيلي
قراراً بأغلبية ساحقة ينزع صفة الاحتلال عن الوجود
الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة من الناحيتين التاريخية
والقانونية0 ويحث القرار الحكومة علي توسيع الاستيطان في
تلك الأراضي وإلغاء حق العودة لأي فلسطيني إلي أراضي 01948
إذن00 فإن نوايا إسرائيل معروفة ومكشوفة0 ولكن رهان الحركة
الوطنية الفلسطينية يعتمد علي مقاومة مشروعات الاحتلال
والاستيطان0 كما أن الوقائع الميدانية علي أرض فلسطين
أثبتت أن أي تسوية غير مؤسسة علي اعتبار الضفة الغربية
وغزة أراضي محتلة بقوة السلاح00 لا يمكن أن تذهب - في حدها
الأقصي- إلي الحصول علي أكثر من حقوق بلدية أو معيشية
لمجموعة من اللاجئين، ولا يمكن أن ترتقي إلي مستوي إقرار
الحقوق السياسية والقانونية والجغرافية لشعب ذي سيادة،
والقرار الإسرائيلي الصادر في يوليو 2003 ينسف الأساس
القانوني والسياسي للصراع0
وليس المطلوب ترتيبات أمنية، بل حل سياسي تاريخي للصراع00
والقضية الأولي والرئيسية والمحورية هي حقوق الفلسطينيين
في وطنهم التاريخي قبل أن تكون قضية أمن إسرائيلي0
مهمة كبري ويواجه العرب مهمة كبري هي كشف نوايا ومؤامرات حول
الذين يعلنون صراحة أنهم لا يشعرون بالأمان في «دولة
صغيرة» هي إسرائيل، وأن السبيل الوحيد أمامهم هو 00
التوسع0
وإذا كان المستوطنون يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين
للرواد الصهاينة الذين أسسوا دولة إسرائيل من العدم00 وإذا
كان الحاخامات يزعمون أن أرض إسرائيل منحت لليهود من قبل
الخالق وتخص شعب إسرائيل علي مر أجياله منذ القدم وأن
واجبهم هو المحافظة عليها والتشبث بها00 فإن كل المفكرين
والمثقفين في العالمين العربي والإسلامي مطالبون بالرد علي
هذه الادعاءات بكل قوة0
في أحضان التطرف وتتحدث صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في مقالها الافتتاحي
يوم 7 أغسطس الحالي عن الشبيبة «النوعية» في إسرائيل التي
ترعرعت في أحضان الأصولية الدينية القومية المتطرفة، والتي
قامت بـ «شحذ» توراة إسرائيل بدعم من الدولة وحولتها إلي
سيف انتقامي شرير0 وتقول «هآرتس» إن هؤلاء يصفون القتلة من
أمثال جزار شفا عمرو والسفاح باروخ جولدشتاين، الذي قتل
المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي، وييجال عامير»،
قاتل رابين، بأنهم من «المهتدين الجدد» أو«التائبين
الجدد»!!
وتعترف «هآرتس» بأن هذا هو التعالي العنصري للحاخامات0
وتقول الصحيفة الإسرائيلية إنه منذ أكثر من ثلاثين عاما00
والتحريض يطل برأسه علي ألسنة الحاخامات في خطبهم
الأسبوعية في المعاهد، وفي دروسهم العامة، وفي معاهدهم
الدينية الثانوية، وفي المعاهد النظامية العسكرية، وفي
المناسبات وحفلات الزواج والبلوغ!
وتضيف الصحيفة أن هؤلاء قاموا بتحويل عمليات طرد وإبادة
شعوب «أرض كنعان المحتلة» إلي مصدر للوحي، وقاموا بتحويل
مسألة إعادة بناء الهيكل إلي هدف يجب تنفيذه فورا في هذه
الأيام0 وتقول الصحيفة إنهم يدعون الطهارة ونقاء اليدين00
فكراهية العرب والحملة عليهم والتطلع إلي طردهم من فوق
«الأرض المقدسة لليهود»(!)، أو حتي إبادتهم هي توجه دائم
في كتاباتهم وخطبهم0
هؤلاء هم الركن الأساسي في المستوطنات0 وهذا الفكر له من
يمثله في الكنيست وفي داخل الحكومة والجيش والشرطة في
إسرائيل0 وعلي سبيل المثال، فإن «يحيئيل حزان» - عضو
الكنيست من الليكود - يقول إن العرب «ديدان تحفر في التراب
وتؤذي الشعب اليهودي»!!
تدليل المستوطنين ومع ذلك، فإن السياسة الرسمية في إسرائيل ظلت علي
الدوام تقوم علي تدليل المستوطنين «وإعلان التفهم
لآلامهم»0 وهذا ما أكده شارون قبل يومين! يقول النائب
الفلسطيني عزمي بشارة إن إسرائيل تستطيع أن تطلق النار علي
متظاهرين عرب وتقتلهم00 ولكن، إذا تظاهر يمينيون عنصريون
إسرائيليون متطرفون، فإن السلطات الإسرائيلية تضع شرطيين
في خدمة كل متظاهر ليستطيعا حمله لكي لا يستخدم 00 حتي
الغاز المسيل للدموع لإزعاجه!
ويؤكد عزمي بشارة ما سبق أن ذكرناه، وهو أن الجيش
الإسرائيلي مخترق تماما من عصابات يمينية متطرفة وتنظيمات
سرية وعنصريين مهووسين من جميع الألوان0
والحقيقة أن المستوطنين لا يستحقون أي تعويض0 والصواب هو
أن يدفعوا - هم والدولة التي أرسلتهم إلي غزة- التعويضات
للشعب الفلسطيني بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت به من
جراء الاستيطان0 فقد صنع المستوطنون في قطاع غزة ثرواتهم
من خلال استغلال أراضي القطاع وحوالي نصف موارده المائية0
قواعد اللعبة وبطبيعة الحال، فإن الفلسطينيين والعرب يعرفون قواعد
اللعبة الشارونية، فالرجل يريد أن يثبت في الأذهان قاعدة
أن إخلاء المستوطنات أمر بالغ الصعوبة0 فإذا كان إخلاء
مستوطنات قليلة، بلا مستقبل، وبلا دعم حقيقي في الشارع
الإسرائيلي لاستمرار وجودها000 بهذه الصعوبة، فما بالنا
بتفكيك الكتل الاستيطانية الكبري والمدن والقري اليهودية
الكبيرة في الضفة الغربية والتي تحظي «بشرعية كبيرة» لدي
الرأي العام الإسرائيلي؟ وما بالنا بالاعتراض علي مشروع ضم
هذه الكتل الاستيطانية إلي إسرائيل؟
كل هذه الحقائق يعرفها الفلسطينيون ويؤكدون عليها0 ويبقي
أن يتصرفوا علي النحو الذي يحبط خطة شارون الذي يحلم بأن
تكون غزة هي خط النهاية في تسوية الصراع لكي يتفرغ - هو
وجماعته- لالتهام الضفة الغربية والقدس الشرقية0
أمام الفلسطينيين فرصة تاريخية لجعل الانسحاب من غزة
وتفكيك مستوطناتها 00 نهاية الحلم التوسعي للصهيونية
وبداية وضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية المستقلة علي كل
الأراضي المحتلة منذ الخامس من يونيو عام 01967