سنوات العشق الجميل: عاطف العراقي - ابن رشد - التنوير
(4)
ونمضي مع المعزوفة الجميلة التي أهداها د. عاطف
العراقي إلي العقل العربي «الفيلسوف ابن رشد ومستقبل
الثقافة العربية - أربعون عاما من ذكرياتي مع فكره
التنويري».
نمضي لنتعلم قيمة العقل وكيف أن التفكير العاقل هو ليس فقط
معيار الحقيقة - بل ومعياره الأول - وإنما هو أيضا إعمال
لواجب شرعي.
ويقتبس لنا فقرة رائعة من كتاب ابن رشد «فصل المقال فيما
بين الحكمة والشريعة من الاتصال» وتقول هذه الفقرة: «وإذا
تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات
واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط
المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس.. فواجب
أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.. وهذا النحو
من النظر هو الذي دعا إليه الشرع وحث عليه» (ص37).
وقد خاض ابن رشد معركته الحاسمة ضد الإمام الغزالي لأنه
خالفه كما يقول د. العراقي في مسألة تكفير المخالفين في
الرأي فكان ابن رشد «معبرا في أفكاره عن الابتعاد عن مسألة
التحريم والتكفير لأنه بالدرجة الأولي كان فيلسوفا ملتزما
بالقول بأن الفكرة إنما تُعد فكرة فلسفية صحيحة إذا كانت
معبرة عن الالتزام بخصائص الفكر الفلسفي» (ص40)، ثم يأتي
د. عاطف لينعي علينا غيابنا عن فكر ابن رشد بما يعني
غيابنا عن العقل فيقول «لنعترف بصراحة وموضوعية أن أكثر
دراساتنا الحالية وخاصة من حيث المنهج - منهج دراستها - قد
أصبحت أضحوكة عند الباحثين والمستشرقين الأوروبيين، وهل من
المعقول أن يصبح فكر ابن تيمية - الذي يعد عدوا لكل فكر
ناضج متفتح - هو الفكر المسيطر علي أذهان المشتغلين ببعض
الأقسام الفلسفية في مصر والعالم العربي؟.. نعم من حق
المستشرقين الأوروبيين أن يضحكوا علي ما نطلق عليه في
عالمنا العربي بحوثا فلسفية في حين أنها لا تنتسب إلي
الفلسفة من قريب أو من بعيد، وتختلف تماما عن الفلسفة كما
ينبغي أن تكون قلبا وقالبا» (ص41).
ثم يقول: «يضاف إلي ذلك أن المناخ الفكري السائد في أكثر
البلدان العربية إنما يعد تعبيرا عن الترحيب بالفكر الذي
لا يمكن اعتباره عقلانيا وبالتالي الضيق بالفكر الحر،
الفكر العقلاني، ولنضرب علي ذلك مثالا واحدا: إذا قام فرد
منا بدراسة عن ابن تيمية تقوم علي الترحيب بآراء الرجل بحق
وبغير حق، فإنه سيجد الأموال والجوائز تسعي إليه من أكثر
البلدان البترولية، وعلي العكس من ذلك تماما إذا قام
بتأييد الفكر العقلاني ممثلا في ابن رشد علي سبيل المثال،
وهذا ما قد يؤدي إلي الاعتقاد بالصلة بين الغني و التأخر
الفكري.. أليس من اللافت للنظر أننا نجد عالمنا العربي
بوجه عام قد ارتضي لنفسه آراء الغزالي فأدي به هذا إلي نوع
من التأخر الفكري، في حين أن أوروبا بوجه عام قد ارتضت
لنفسها فلسفة ابن رشد فأدي بها ذلك إلي التقدم الفكري؟»
(ص42).
ونمضي مع د. العراقي إذ يتحدث مندهشا «إننا نتحدث اليوم عن
قضايا التنوير، وقضايا التطرف والإرهاب، وقضايا الأصالة
والمعاصرة، وما يرتبط بها من الحديث عند بعض أشباه الكتاب
عن الغزو الثقافي والهجوم علي الحضارة الغربية» ثم يقول في
أسي ظاهر «لقد كتب ابن رشد ما كتب لكي نستفيد منه نحن
العرب، لا لكي يوضع تراثه في زوايا الإهمال والنسيان، لقد
تقدمت أوروبا لأنها اتخذت ابن رشد نموذجا لها، وقامت في
أوروبا حركة رشدية قوية، أما نحن العرب فقد أصابنا التأخر
لأن النموذج كان عندنا في مجموعة من المفكرين التقليديين
الذين يعبر فكرهم عن الجمود أمثال الغزالي والأشاعرة وابن
تيمية» (ص45).
ويمضي العراقي قائلا: «كان ابن رشد حريصا في تناوله للعديد
من المشكلات التي تصدي لدراستها علي الالتزام بالعقل
ومنهجه، لقد دعانا إلي تأويل النص الديني، ويقيني أننا إذا
كنا قد التزمنا بدعوته لأصبح حالنا غير الحال، إن هذه
الدعوة من جانب فيلسوفنا العملاق تعد دعوة تنويرية في
المقام الأول وتكشف عن أغاليط وأكاذيب دعاة السلفية
والأصولية والذين يريدون لنا البكاء علي الأطلال والرجوع
إلي حياة العصر الحجري، وذلك تحت تأثير البترول وسحر
الدولار» (ص45).
.. ومهما أطلنا في الكتابة عن كتاب د. عاطف العراقي يبقي
الطريق ممتدا لمزيد من المطالعة، فإلي لقاء.