مناقشة القضايا الشائكة جرأة تحسب للمقدمين عليها،
لأنها تجلب عليهم دائما ردود فعل متباينة تتراوح بين
التأييد والرفض، إلا أن محاولة اختراق هذه المناطق المحرمة
بموضوعات تتلامس والهم العام يحسب لصانعيها، في وقت يستسهل
الكثيرون الأفكار المألوفة والمتكررة والمعبأة ، وسواء
اتفقنا أو اختلفنا فإن الأمر محكوم في النهاية بمدي
قناعتنا تجاه تلك القضايا00 وهذا لا يجعلنا في خضم عراكنا
أن ننسي الإشادة بتلك المحاولات الجادة لهؤلاء الذين
يسيرون علي حافة النهر0
منذ فيلم «فتاة من إسرائيل» والذي ناقش الصراع النفسي حول
فكرة قبول عدو الأمس، صديق لليوم، لم تقدم السينما المصرية
فيلما ناقش بجرأة حالة السلام البارد بين مصر وإسرائيل،
ورصد ردود فعل جموع الشعب ورجل الشارع العادي من هذا
الموقف مثلما فعل فيلم «السفارة في العمارة»0
يحكي الفيلم عن المهندس شريف خيري «عادل إمام» الذي يعمل
بإحدي الدولة الخليجية في مجال البترول، وتربطه صداقة مع
زميله بالعمل وابنه «اياد» الذي يحلم بالعودة إلي وطنه
لمواجهة الاحتلال، يقرر «شريف» بعد غربة 20 سنة الرجوع إلي
مصر، ليفاجأ إن السفارة الإسرائيلية قامت بتأجير الشقة
المقابلة له، ويلاحظ من خلال الأحداث عدم اكتراثه في بادئ
الأمر من هذه السكني، إضافة إلي إنه غير مهتم بالسياسة،
إلا أن ردود أفعال جيرانه ومن يحيطون به يكشفون عن
استيائهم من وجود السفارة الإسرائيلية، ويبدأ يشتد ضيقه
بالحراسة الموجودة ليل نهار والتي تعيق حركته في الصعود
والنزول، في هذه الأثناء وهو جالس علي إحدي مقاهي وسط
البلد يشاهد مظاهرة تندد بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي
الفلسطينية، ويستوقفه في المظاهرة الدكتورة داليا (داليا
البحيري» الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والتي
تقود المظاهرة ويحملها المتظاهرون علي اكتافهم، وهي تهتف
بسقوط الاحتلال وجلاء السفارة الإسرائيلية عن مصر، يندس
«شريف» داخل المتظاهرين رغبة منه في التقرب من «داليا» ثم
سرعان ما نراه يحملها، وبعد ذلك يتعرف عليها، ليفاجأ بأنها
يسارية تناهض الاحتلال الإسرائيلي، مما يجعله يخفي عليها
أمر وجود السفارة في العمارة التي يسكنها، ثم تكتشف ذلك
بعد عدة مفارقات وتسوء العلاقة بينهما، وتتخذ أسرتها موقفا
منه، يقترح عليه أحد اصدقائه بأن يقوم برفع دعوي لطرد
السفير الإسرائيلي من العمارة، وبالفعل يقوم بتحريك قضية
لذلك الغرض وعندها تلتف حوله جموع الشعب والجيران ويصنع
منه بطلا شعبيا تتحاكي به الألسن والمحطات الفضائية، إلا
أن رجال السفارة ينتبهون لخطورة هذا الموقف، ويلجأون إلي
توريطه في قضية أخلاقية بتصويره مع إحدي العميلات داخل
شقته، ويخيروه ما بين التنازل عن القضية أو التشهير به
وتحريك دعوي زنا ضده، يمتثل للضغط ويتنازل عن القضية
ويتحول إعجاب الناس والتفافهم حولهم إلي سخط كبير0
في مشهد بالغ التأثير والدلالة، يطلب السفير الإسرائيلي من
«شريف» أن يفتح له شقته للاستضافة بعض الضيوف التي لم
تستوعبهم السفارة نظرا لضيق المكان، وعندما يرفض «شريف»
هذا الطلب، يلمح له «السفير» بالشريط المصور، مما يجعله
يرضخ في النهاية، ليبدأ توافد الضيوف في مشاهد متلاحقة
متتالية يتسلل من خلالها الضيوف حتي امتلأت الشقة بهم،
وبدا المشهد وكأنه استيطان حتي وصل الأمر لغرفة النوم
والحمامات، مما يجعله لا يحتمل كل هذا الكم من البشر الذين
زحفوا عليه رغما عنه، وأصبح المكان مزدحما بهم، فيقرر أن
يترك الشقة، يتجه إلي باب الشقة ليخرج منها ليجد حارسين
يفسحان له مجالا للخروج وما أن تطأ قدميه خارج الشقة حتي
يقفا ليسدا الباب، وكأنهما كانا ينتظران خروجه، يترجل
«شريف» سلم العمارة في إشارة موحية بالسقوط والانحدار،
وحتي يصل إلي بهو العمارة ليفاجأ بأفراد الحراسة يشاهدون
إحدي جنازات أطفال الانتفاضة، فتقع عينيه علي «إياد» ابن
صديقه الفلسطيني، وعندها يجن جنونه ويشتاط غضبا، فيهرول
إلي شقته ليقوم بطرد السفير وضيوفه في مشهد رائع0
المصالح العليا والسفلي رصد الفيلم بأمانة ردود الفعل حول مسألة التطبيع،
والتباين في وجهات النظر بين الموقف الرسمي والموقف
الشعبي، ومن ضمن الجمل التي عبرت عن ذلك بوضوح حينما قال
مسئول الأمن «خالد زكي» لـ «شريف» (عادل إمام) : «الناس
دول إحنا عاملين معاهم اتفاقية سلام، المفروض نحط مصالح
الدولة العليا في اعتبارنا»، فرد عليه «شريف» قائلاً: «زي
ما الدولة بتبص لمصالحها العليا، تبص شوية علي مصالحي
السفلي» كما لوحظ أن الشعارات التي رددت بالفيلم كانت
منتقاه بعناية ومنها : «مش هنسلم 00 مش هنبيع00 مش هنوافق
علي التطبيع»، وأيضا « يسقط الاحتلال الإسرائيلي» و«يسقط
قتلة الأطفال» و«لا لأعداء السلام»، وقد جسدت الأحداث هذا
الرفض الجماعي لجميع الأشكال والتيارات السياسية والدينية
في مصر0
وحتي علي المستوي الشعبي، وتجلي ذلك بصورة واضحة عندما
رفضت «ميسرة» فتاة الليل أن تأخذ أجرها من شخص ارتضي لنفسه
أن يقيم بجوار السفارة الإسرائيلي، كذلك شرطي المرور (أحمد
عقل) الذي تغاضي عن مخالفة قام بها (شريف) عرفانا وتقديرا
لدوره الوطني، ثم سرعان ما تغير موقفه عندما تنازل عن
الدعوي القضائية وقام بتحرير مخالفة مرور لخطأ لم يرتكبه،
كذلك بائع الفطائر الذي رفض توصيل إحدي الطلبات لتلك
العمارة المشئومة، وبعد تدخل الأمن سارع بالاتصال لعرض
خدماته، كذلك السمسار الذي رفض مناقشة أمر بيع الشقة بعد
أن علم بأمرها0 وقد حاول السيناريو تكثيف رسالته التي
تتلخص في أنه مادامت هناك اعتداءات وقهر يمارس علي
الفلسطينيين فليس هناك سلام، وأن التطبيع مشروط بممارسات
سلمية، وهذه رسالة رغم خطورتها إلا أنها تنطوي علي منطق،
قد يرفضه الكثيرون عندما يتحقق0
قدم عادل إمام شخصية المهندس «شريف خيري» علي مستويين،
الأول هو هذا الدونجوان العاشق الذي لا يشغل باله من
الدنيا سوي ملاحقة النساء لإقامة سهرات حمراء معهن، غير
عابئ أو مدرك لخطورة وجود السفارة الإسرائيلية في العمارة
التي يسكن بها، واندهاشه من ردود افعال الجيران والأصدقاء
من هذه الجيرة، والمستوي الثاني هو تحوله من حالة السكون
والخضوع إلي الانفجار والغضب والثورة علي تلك السفارة التي
لا يقبل بوجودها كل فئات المجتمع علي اختلاف ألوانها
ومعتقداتها ومبادئها0 وجاء مشهد رفضه لطلب السفير باستضافة
ضيوفه، ثم القبول تحت الضغط والتهديد من أعلي مشاهد
الفيلم، وكذلك خروجه من شقته بعد اقتحامها من ضيوف السفير
ونزوله علي السلم مترجلا فقد بلغ فيه ذروة الأداء التمثيلي
بتعبيرات وجه الصادقة التي عبرت عن حالات الانكسار والخضوع
والقبول مرغما، ثم صعوده مرة أخري في ثورة وتحد وغضب،
مشاهد لا تملك سوي أن تصفق لها وأنت تشاهدها0 حتي إن
المشاهد يكتشف أثناء «الفرجة» أن ما يؤديه هو شريف خيري
المهندس، بل عادل إمام المواطن المصري0
كاريزما الزعيم يتمتع عادل إمام بكاريزما تطيح بأي عراقيل تفصل بينه
وبين جماهيره، فمازال في أشد حالات انصهاره توهجه ، وربما
هذا ما يجعل الجماهير مشدودة وملتفة حوله مبددة بذلك أي
ادعاءات بخفوت نجمه، فهو قادر دائما علي ادهاشنا رغم
الزمن0 لكن ذلك لا يجعلنا نغفل عن أن مواصفات «شريف خيري»
الشكلية والجسمانية والعمرية، قد تختلف إلي حد ما مع طبيعة
عادل إمام، فهي أقرب إلي دنجوان لديه من الإمكانات
والقدرات ما يجعل النساء تفتن به أو علي الأقل تعجب به0
لكن رغم هذه الملاحظة يحسب له أنه سعي لتقديم دور مختلفا،
يحسب لرصيده الكبير0
يوسف معاطي كاتب كوميدي متمرس، يعرف جيدا كيف يخلق
الكوميديا، ولم يستسهل «رش» الإفيهات داخل الحوار بمناسبة
ودون مناسبة كما يحدث هذه الأيام في أعمال كثيرة، بل راعي
بحرفية عالية أن تأتي الكوميديا من خلال الموقف؛ ساعده علي
ذلك قدرة عادل إمام الخارقة في اكتشاف مناطق الضحك
وتوظيفها بأقل مجهود، ثم يأتي دور عمرو عرفة المخرج الواعد
ليظهر هذا الزخم في صورة معبرة وإدارة متقنة تصل المعني
للمتلقي، ورغم المبالغة في بعض المشاهد إلا أنها تواءمت مع
الأحداث، ولم تبد منفصلة0
خدعة تمرير السيناريو تعامل السيناريو مع رجال الأمن (الشرطة) بصورة شابها
عدم المصداقية، ربما روعي في ذلك حسابات رقابية، وبدا
كثيرون منهم داخل الاحداث أشبه بالملائكة، قد يكون خشية
صناع الفيلم من أن يفتحوا جبهات أخري للصدام، وجاءت هذه
المرونة لتيسير مرور الفيلم رقابيا، لكن الواقع أكثر قسوة
من السينما، فقبل شهور قليلة وعلي ذات السلم (سلم نقابة
الصحفيين) الذي وقف عليه عادل إمام منددا بالاحتلال
الإسرائيلي تم التنكيل بصحفيين وصحفيات ، ومازالت الصورة
عالقة في أذهان الكثيرين، وتناقلتها للأسف وكالات الأنباء
في كل مكان0