يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1241 (17-24) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

البنا:

 
 

المرأة بين الإمامة والعمامة

 
 

حلمي سالم

 

  يواصل المفكر الإسلامي المجدد الشيخ جمال البنا نهجه المعروف في تقديم الرؤي الإسلامية العقلانية المنيرة التي يؤكد من خلالها قدرة الإسلام علي مسايرة العصر والمدنية الحديثة.
آخر هذه الرؤي المنيرة كتابه «جواز إمامة المرأة الرجال» وفيه يدلي بدلوه - كمفكر إسلامي عائش في الحياة الموّارة - في السجال الدائر حاليا بالأوساط الإسلامية، داخل العالم الإسلامي وخارجه حول سؤال: هل يجوز أن تؤم المرأة المسلمين «الرجال» في الصلاة؟.
وقد انطرح السؤال بشدة منذ أن قامت الدكتورة «المرأة» أمينة ودود بإمامة الرجال أثناء الصلاة، في إحدي الولايات الأمريكية، منذ شهور قليلة.
كان الاتجاه الغالب في هذا النقاش منذ بدايته هو تحريم هذه الإمامة من قبل المعظم الأعم من الفقهاء الإسلاميين، إلي أن ألقي جمال البنا عصاه.
وكعادة البنا مع الفقهاء التقليديين، وكعادتهم معه، اندلع السجال ساخنا ومشتعلا. البنا - المفكر الذي «يشغل» عقله الذي منحه له الله - يري جواز إمامة المرأة للرجال، والفقهاء التقليديون - الذين يرون أن مهمة «العقل» هي استعادة السلف وتقليد الماضي التليد - يرون أن هذه الإمامة منافية لصحيح الدين.
يبني المفكر المجدد رأيه علي أسس عقلية مكينة، هي:
- العقل هبة الله للإنسان، ينبغي إعماله في أمور الدين والدنيا، والوصول منه إلي ما يناسب المعاش المتغير والمستجدات المتحولة.
- اقتفاء أثر السلف الصالح - حذو الحافر - ليس دائما علامة علي الفلاح والنجاح.
- الإسلام دين مساواة وعدل وسماحة لا فرق فيه بين رجل وامرأة إلا بالعلم والمعرفة والقدوة الحسنة.
علي أن هناك ثلاث دعائم جوهرية يقيم عليها البنا موقفه المضيء:
الأولي: الانطلاق من أن المرجعية الوحيدة الثابتة والحاكمة هي «القرآن الكريم»، وما عداها هو فقه بشري يحتمل الغرض والنزاهة والخطأ والصواب.
الثانية: المواءمة لمقتضي الحال، والتجاوب مع الضرورة. المواءمة هنا هي المواءمة العقلية والثقافية والزمانية والمكانية،و والبنا يؤسس هذه المواءمة علي التفريق بين «الدين» الذي هو كلام الرب المقدس وبين «التدين» الذي هو «ظاهرة اجتماعية» تتغير بتغير الظروف والحضارة والحاجة والجغرافيا والمرحلة.
الثالثة: حقوق الإنسان، إذ يري البنا أن القضية التي يدافع عنها هي «المرأة» وليست «الإمامة»، أي المساواة التي ينبغي علي المجتهدين المنافحة عنها لكي تنتفي عن الإسلام تهمة الغرب له بأنه دين ذكوري غير منصف، إذ يميز بين الناس علي أساس الجنس.
يسألنا البنا هذا السؤال الحرج: «هل إذا وجدت امرأة عالمة بالقرآن، دارسة له، نالت الدكتوراة في الدراسات الإسلامية، ووجد جمهور من الشباب والعمال الذين لا معرفة لهم بالقرآن، هل يجوز في هذه الحالة أن نقدم جاهلا، لأنه رجل، علي امرأة عالمة؟».
نهدي السؤال إلي الفقهاء والمشايخ.
موجة عارمة، تتكون من ثماني فتاوي واجهها البنا بجسمه الهزيل وشجاعته المتينة، واحدة منها للمفتي الشيخ علي جمعة تؤكد أن الشريعة ترفض إمامة المرأة، وواحدة منها لشيخ الأزهر تقطع بأن هذه الإمامة «باطلة باطلة».
وواحدة منها للشيخ يوسف القرضاوي تذهب إلي تحريم إمامة المرأة لأن «تضاريس» جسدها ستشكل «فتنة وإثارة» للرجال المصلين، وواحدة منها للشيخ عبدالعزيز بن باز، رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية، تجزم بأن الإمامة «توقيف» علي الرجال. والشيخ ابن باز - للتذكرة - هو صاحب الكتاب الفضيحة «الحداثة في ميزان الإسلام» الذي قرر فيه أن الغالبية الساحقة من شعراء وأدباء الحداثة العرب هم، في ميزان «إسلامه» كفرة ملحدون عابثون بالتراث واللغة والدين، عملاء للصهيونية والعلمانية والشيطان، بدءا من يوسف إدريس وأمل دنقل والمقالح، وانتهاء بأدونيس ومنيف ومحمود درويش .وقد رد عليه د. جابر عصفور - في حينه - ردودا قاصمة قوضت جوهر منهجه الفاشي الأسود، إذا كان للفاشية السوداء جوهر.
هنا، يجدر بنا أن نضع هذا السجال ضمن إطار ساخن أوسع، حينما نشب منذ شهور قليلة جدل كبير حول جواز أن تكون المرأة رئيسة جمهورية، وهو الجدل الذي ثار بعد إعلان رئيس الجمهورية تعديل المادة 76 من الدستور المصري، ليصير إلي انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الحر المباشر بين مرشحين عديدين «بدلا من نظام الاستفتاء السابق».
وعلي إثر ذلك أعلنت بعض السيدات «منهن المفكرة نوال السعداوي» عن نيتهن الترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة.
ساعتها انفجر السؤال: هل يجوز شرعا للمرأة أن تصبح رئيسة جمهورية؟.
وانقسم رأي فقهاء الإسلام إلي قسمين اثنين: الأول «وهو الاتجاه الغالب» رأي عدم جواز تولي المرأة «الرياسة العليا»، وقد استند هذا الاتجاه بالطبع إلي حجج وبراهين دينية شرعية، والثاني «وهو الاتجاه الأضعف» يري جواز هذه الرياسة العليا للمرأة، مستندا - كذلك - إلي حجج وبراهين دينية شرعية، فضلا عن انطلاقه من مبدأ «مواءمة مستجدات المدنية والعصر».
وبديهي أن الاتجاه الأول ضم فقهاء التجميد والتقليد والنقل، وأن الاتجاه الثاني ضم مفكري التجديد والابتكار والعقل «وكان في قلبهم جمال البنا».
ونخلص من هذا السياق الأوسع إلي أن المسألة ليست مسألة دينية بقدر ما هي مسألة الموقف السلفي من المرأة، إذ يرفض السلفيون - مسلحين بأدلة دينية - أن تكون المرأة مساوية للرجل، سواء تعلق الأمر بقيادتها للأمة في النظام السياسي، أو تعلق بإمامتها الرجال «والنساء طبعا» في الصلاة!.
عند هذا الفريق المتجمد: الموقف الذي يري المرأة نصف إنسان، ويراها غير كاملة الأهلية، ويراها في المرتبة الأدني، هو موقف ثابت لا يتزحزح، سواء كان الأمر دينيا أو دنيويا.
إنها «التفرقة العنصرية» في أقبح صورة.
موجة مثمنة الأضلاع، عاتية، لكن جمال البنا يقف إزاءها ثابتا، مسلحا بأربعة: إيمانه الإسلامي العميق الذي لا مزايدة عليه، وعقله المتفكر المتفاعل الحي، وحب النخبة المثقفة لجهده واجتهاده «سواء بأجر أم بأجرين»، وبدايات تململ الرأي العام الثقافي من تحكم فقه المشايخ السلفيين «داخل الأزهر وخارجه» فيما لا صلة لهم به من فكر وحياة وتقدم وإسلام حق.
يا شيخنا البنا: هي، بالفعل، ليست مسألة «إمامة»، بل مسألة مدنية فارقة: حق المرأة في أن تكون «إنسانا» كاملا، أو لا تكون، تلك هي القضية، علي رأي صديقنا هاملت.
أتدري أين المعضلة الكبري يا شيخنا جمال البنا؟، المعضلة الكبري يا شيخنا هي أنك «والمستنيرين أمثالك» تستندون إلي النص المقدس، وكذلك خصومك «الجامدون» يستندون إلي النص المقدس ذاته! فما العمل أيها المجدد الجريء؟.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة