في تصريحات خاصة ل «الأهالي»، قال المهندس رشيد محمد
رشيد، وزير الصناعة والتجارة، إنه لا يمكن قبول أن تكون
الأرض أداة مضاربة، فدورها أن تكون عنصرا من عناصر
الإنتاج، وأكد أن هيئة التنمية الصناعية، التي ستحل محل
هيئة التصنيع، سيكون أحد أهم أدوارها، إنهاء المضاربة علي
الأراضي، والعمل بقاعدة أن الأرض في الأصل للصناعة مجانية،
مع ابتكار نظم لتجهيز الأراضي للصناعة تساعد المستثمر علي
أن يبدأ العمل بأقل رأسمال ممكن.
وأشار إلي أن التفكير يجري حاليا، في اتخاذ تدابير لمنع
المضاربة علي الأراضي الزراعية أيضا، حيث لاحظ أن ذلك يقلل
أيضا من قدرة الصادرات الزراعية المصرية علي المنافسة في
الخارج، وقال الوزير إن السياسات المتبعة من قبل شجعت
الناس علي توقع ارتفاع أسعار الأراضي، وشجعت كثيرين علي
حجز أراض في أي مشروع يعلن عنه، والانتظار حتي انتهاء قطع
الأراضي، ثم بيع ما هو محجوز بأسعار أعلي، وفي وضع كهذا لم
يكن أحد بحاجة إلي أن يستثمر و«يوجع دماغه» فمن الأفضل له
التجارة في الأرض، ثم إيداع الفلوس في البنوك، وذكر رشيد
أننا لسنا بحاجة إلي اختراع العجلة، ففي أوروبا تم حفظ
الأراضي الزراعية من التعدي عليها، عبر سياسات للضرائب
العقارية، تجعل من يحول الأرض إلي مبان يدفع تكلفة ضخمة،
وهناك أيضا من المستحيل أن يملك أحد ترف إغلاق شقة ليوم
واحد، ولكن مثل هذا التفكير، في استخدام أداة الضريبة غير
نافذ في الأوساط عندنا، لأننا تعودنا علي المنع بقرارات
إدارية، رغم أننا شاهدنا بأعيننا كيف أنها لم تؤد إلي
نتيجة، وأن مئات الآلاف من الأفدنة أهدرت، وعشرات الآلاف
من الشقق مغلقة، وكشف رشيد ل «الأهالي» عن أنه اتفق مع
وزير البترول، علي توحيد أسعار الغاز للمصانع، بدلا من
نظام حالة بحالة الموجود حاليا، مع إعلان السعر والكميات
المتاحة للعمل بها لمدة 5 - 7 سنوات، واستخدام آلية ثابتة
في عملية إعادة النظر بعد ذلك، وأوضح أن ملف سعر الطاقة
للصناعة أوشك علي الانتهاء، وكان قد بدأ برفع سعر الكهرباء
للمصانع - وبالذات - الجهد العالي وكشف المهندس رشيد أيضا
عن خلاف في وجهات النظر داخل الدوائر الرسمية، بشأن دور
الدولة في إقامة المصانع، فقال إنه غير أفكاره بعد أن زار
اليابان وسنغافورة وماليزيا وهي ثلاث تجارب «ومراحل» في
النمو، وأصبح يقبل بفكرة أن يكون للدولة دور في الاستثمار
الصناعي، ولكن بشرط أن تكون لدي الدولة جهة واحدة فقط هي
التي تقوم بهذا العمل، مبينا أن تعدد الجهات الحكومية التي
تستثمر، يفسد قواعد اللعبة، ويؤدي إلي خلط الأدوار، ويخلق
تحيزات من المسئول التنفيذي للشركات أو المؤسسات التي تعمل
تحت وزارته، علي حساب بقية اللاعبين في السوق، وقال رشيد:
كنت متأثرا بالتجربة الأوروبية التي تترك القطاع الخاص
يقوم بكل شيء، ولا يخطط للصناعة تاركة السوق ينظم نفسه،
لكن تجربة اليابان علمتني أنه يمكن للدولة أن تخطط وتتبادل
المنفعة مع القطاع الخاص لخدمة النمو وتأكد لي أن أوروبا
لم تصل إلي ما وصلت إليه إلا بعد أكثر من مائتي عام من
النمو الصناعي، وأضاف: المهم أننا في مصر وحدنا في فترة
الجهة التي تستثمر في وزارة قطاع الأعمال، ثم عدلنا عن ذلك
مرة أخري ولا أدري لماذا، وأؤكد علي أن أهم ما يريده
المستثمر الأجنبي - والمصري الخاص - هو الوضوح، ووجود جهات
مختلفة في الدولة تستثمر يقود إلي إصدار قرارات مفاجئة،
هدفها خدمة استثمارات الدولة التابعة لهذا الوزير أو ذاك،
لكنها «تنكد» علي القطاع الخاص، وكشف رشيد أنه كان طرفا في
قضية قيام المال العام بإنشاء مصنع للسكر «يرأسه حاليا د.
مختار خطاب» وأنه لم يكن موافقا علي ذلك وكان برأيه أن
القطاع الخاص، الذي بدا أنه رفض القيام بإنشاء المصنع، كان
يمكنه أن يقوم به، وقد وردت عروض بالفعل أجنبية وعربية
ومصرية، لكنه طلب إيجاد سياسة ثابتة واضحة لتسعير القصب
والبنجر، وأخري لسعر السكر في السوق، غير أن الحكومة لم
ترد أن تفتح هذا الملف، ومن ثم قام المال العام «مساهمات
بنوك وشركات تأمين وشركة السكر المصرية» بإقامة المصنع
ويعتقد المهندس رشيد أنه كلما تم حل مشكلة سياسة سعر القصب
أسرع كلما كان أفضل.
وقال إن تركيا أرادت أن تحقق الاكتفاء الذاتي من الشاي
فزرعته، ولكن تبين أن نوع الشاي المنتج رديء جدا وغالي
الثمن، لكن الدولة لم تستطع الرجوع عن التجربة بسرعة لأنها
اكتشفت أن هناك 80 ألف فلاح انخرطوا في هذه الزراعة، ولابد
من إيجاد بدائل لهم؛ وقال المهندس رشيد أن أحد أخطر مشاكل
الصناعة المصرية أن 80% من تجارتنا علي الرصيف وتجارة
الرصيف لا تخلق طلبا علي المعايير والشروط، فكل شيء ممكن
أن يباع فيها ولهذا تعودت الصناعة المصرية علي عدم
الالتزام، وأضاف: اكتشفت أنه لا يوجد في العالم هذا العدد
من الأجهزة الرقابية التي عندنا، ومع ذلك فالسلع أكثر جودة
وأمانا، والسبب في ذلك أن تجارة التجزئة يقوم بها أناس لهم
اسم وسمعة ولا يمكن لأي منهم أن يستلم بضاعة غير مطابقة أو
مغشوشة أو مهربة أو تالفة أو معيبة أو سيئة التغليف، ثم أن
حقوق المستهلك في التعويض تشكل تحديا إضافيا يحفز التجار
علي التشدد وبالتالي الصناعة علي الالتزام، وقال إن مصر
تدهورت في التجارة الداخلية تدهورا مريعا ولابد من إصلاح
هذا الملف؛ وقال المهندس رشيد أن الكثير من رجال الصناعة
ليس لهم علاقة بالصناعة كما أن مجتمع الأعمال اعتاد - أكثر
من المواطن العادي - علي الدولة الأبوية التي «تشيل» وتدفع
غير أن الوضع أخذ في التغيير وهو يجب أن يتغير وأضاف: حتي
منظمات رجال الأعمال ذاتها كانت بلا مبادرات.. تنتظر
توجيهات الدولة وتمشي عليها.. وكانت مساحات العمل الجماعي
فيها محدودة للغاية، وسأعطي مثال: نشأ صندوق دعم الغزل عام
1953 بمبادرة من شركات خاصة لتطوير الجودة والأداء
والحماية من تذبذبات الأسعار وبعد ما جري في الحرب الثانية
وتعريف الصناع بالتكنولوجيات الجديدة لكن الصندوق الآن
وكأنه إدارة حكومية أي أننا تقهقرنا وقال رشيد: لقد منعنا
المصدرين غير المنتجين من الاستفادة من صندوق دعم الصادرات
في مجال الملابس الجاهز بعد اكتشاف تلاعب مصدرين للاستفادة
من الدعم دون وجه حق، مما تحقق فيه النيابة العامة الآن،
وبذلك أوقفنا الذين كانوا يؤجرون مكاتب «أوضة وصالة»
ويدعون بشوية هلاهيل أنهم سيصدرون ويعملوا شركة واثنين
وثلاثة مستغلين أن مهنة التصدير ليس لها أي قواعد في مصر
ولا يوجد حد أدني وبالنسبة لشركات الأغذية عرضنا نفس
القاعدة «حرمان المصدر غير المنتج من الدعم» لكنهم قالوا
إن بعض الشركات لا تصدر بنفسها بل عبر مكاتب تصدير فقلنا
سيتم منح الدعم بضمان الشركة المنتجة، وأكد رشيد: أنا مؤمن
بتجربة السوق وبحق كل من يريد أن يصدر في أن يصدر لكن أيضا
أريد ضبط هذه المهنة، وهي معادلة صعبة والضبط لن يكون
بالضرورة بالعقاب بل بالحوافز بمساعدة الناس علي الحصول
علي شهادات - نتحمل نحن تكلفتها، أو الحصول علي دورات في
معهد التجارة الخارجية - علي حسابنا أيضا - ليتوافر الحد
الأدني من المتطلبات وهو الفهم والجدية، واختتم رشيد
تصريحاته ل «الأهالي» بالقول: لا يمكن أن تنهض مصر وتخلق
فرص العمل المطلوبة، دون نمو صناعي قوي، وقد أدهشني أن بعض
رجال الأعمال يستكثرون أن تستند الدولة إلي القطاع الخاص
استثمار 70 مليار جنيه هذا العام إنني أري أن مصر تستطيع
أن تستثمر ضعفين أو ثلاثة أضعاف هذا المبلغ؛ بل يجب أن
تفعل ذلك وقد رأينا كيف أن رجل أعمال مصري استثمر 90 مليار
جنيه في مشروع واحد، وعلي من لديه عقبات أن يلدلنا؛
فالحكومة تبذل جهدا في التسهيل والتبسيط وتنتظر أيضا من
القطاع المصرفي أن يساند بقوة أكبر.