يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1240 (10-17) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

قليلا من التريث بشأن الجمهورية البرلمانية!

 
 

د0 منار الشوربجي

 

 
تمر مصر اليوم بلحظات حاسمة في تاريخها السياسي تحتم علينا جميعا التدبر مليا فيما نطرحه من اجتهادات وبدائل لئلا يؤدي التسرع عن غير قصد إلي عكس المرجو من أهداف0
لعل أهم البدائل التي طرحت مؤخرا بشكل مكثف وتحتاج لاخضاعها إلي أعلي درجة من التريث والتدارس هي ذلك المطلب الذي تنادت به قوي وطنية عدة منذ زمن، وهو تحويل مصر إلي جمهورية برلمانية0 فهو اقتراح علي قدر البريق الذي يحيط به، وما يستدعيه من ذكريات التجربة المصرية قبل ثورة يوليو، إلا أنه ربما يكون آخر ما تحتاجه مصر في الوقت الراهن أو علي أفضل تقدير لا يمثل الأولوية التي ينبغي أن تلتف حولها القوي الوطنية الداعية للتغيير0
ولأن الحديث عن الجمهورية البرلمانية قد تخطي، بعد خطاب الرئيس مبارك، حدود كونه أحد مطالب المعارضة ليرتبط بتكهنات وصلت إلي العنوان الرئيسي لجريدة «الحياة» الرصينة مؤداها إن النظام المصري نفسه يتجه نحو إرساء نظام برلماني صار من الضروري التعامل مع المسألة برمتها بكل الجدية0 فالجمهورية البرلمانية لا تعالج في الواقع أيا من المشكلات التي يعاني منها النظام السياسي المصري، هذا فضلا عن أن اقامتها قبل توافر شروط بعينها سوف تؤدي إلي استمرار هيمنة الحزب الواحد ولكن بعد إضفاء الشرعية هذه المرة علي تلك الهيمنة0
فالنظام السياسي في مصر يعاني من اختلال فادح في التوازن بين صلاحيات المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية لصالح الأولي0 وهو اختلال لا علاقة لإقامة النظام البرلماني بإصلاحه0 ذلك لأن النظام البرلماني لا يقوم علي الفصل بين السلطات وإنما تكون فيه السلطة التنفيذية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسلطة التشريعية0
فالناخبون في النظام البرلماني يدلون بأصواتهم مرة واحدة فقط لاختيار نوابهم في البرلمان وتشكيل الحكومة معا، ذلك لأن الحكومة تتشكل بناء علي نتائج انتخابات أعضاء البرلمان0 فالحزب الذي يحصل علي أغلبية المقاعد في البرلمان يشكل الحكومة0 ومن ثم، فإن رئيس الوزارة وأعضاءها جميعا هم في الوقت ذاته أعضاء في البرلمان أصلا0 بعبارة أخري، فإنهم يملكون صلاحيات تشريعية وتنفيذية معا0
ومن ثم، فإن النظام البرلماني لا يقدم في الواقع حلا لأهم قضية وهي اختلال التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية، صحيح أنه يحول منصب رئيس الدولة إلي منصب شرفي- يملك ولا يحكم!- إلا أنه ينقل الصلاحيات التنفيذية إلي رئيس الوزارة دون أن يقلصها0
بعبارة أخري ، فإن المطالبة بتقليص سلطات رئيس الدولة في مصر، وهو مطلب مهم لا علاقة له بالمطالبة بالنظام البرلماني0 فهذه الصلاحيات يمكن تقليصها في النظم الرئاسية كالنظام الأمريكي والنظم الرئاسية البرلمانية كالنظام الفرنسي، ولكنها غير ذات موضوع أصلا في النظم البرلمانية0
والمشكلة الثانية التي يعاني منها النظام السياسي المصري هي مسألة عجز البرلمان عن تمثيل القوي السياسية المختلفة وفق أحجامها الحقيقية في الواقع المصري0 وهذه مشكلة لا تعالجها هي الأخري إقامة نظام برلماني، وإنما يكمن علاجها في النظام الانتخابي المتبع0 فالنظام الفردي- وبدرجة أقل نظام القائمة المطلقة- يؤدي عادة إلي تفاقم تلك المشكلة، ومن ثم فإن علاج هذا الخلل يكمن في اتباع نظام القائمة النسبية، مع ضرورة تقليص نسبة الحد الأدني اللازم من أصوات الناخبين للتمثيل في البرلمان0 ففي ظل الظروف المصرية الراهنة لا يجوز العودة إلي نسبة الـ 8% التي اتبعت في الثمانينيات0 فكلما انخفض سقف تلك النسبة ، صار من الممكن علي الأقل في بداية التجربة لأحزاب وقوي مختلفة أن تحظي بمقاعد في البرلمان0
والمشكلة الثالثة التي يعاني منها النظام السياسي في بلادي هي مسألة استقلال القضاء، وهي أيضا لا علاقة لها بما إذا كان النظام برلمانيا أو رئاسيا0 والشيء نفسه ينطبق علي المشكلة الرابعة المتعلقة بحرية الصحافة وأوضاع الصحف المملوكة للدولة0 والخامسة المتعلقة بإطلاق الحريات المدنية وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات0 بل إنه ينطبق أيضا علي المشكلة الأكثر إلحاحا لحظة إجراء أية انتخابات وهي القيود المفروضة علي الأحزاب القائمة بالفعل وهي قيود لا علاقة لها هي الأخري بما إذا كان النظام برلمانيا أو رئاسيا0
في ضوء كل ذلك، فإذا ما تصورنا لدقائق أنه قد تم تعديل الدستور لينص علي تحويل مصر إلي جمهورية برلمانية ثم أجريت انتخابات كانت بالفعل تتسم بالحرية والنزاهة، فإن النتيجة المؤكدة هي فوز الحزب الحاكم بالأغلبية، ذلك لأن كل العلل التي يعاني منها النظام السياسي لم تطلها يد الإصلاح0
ففي ظل الوضع الحالي الذي تعاني منه أحزاب المعارضة الرئيسية، وفي غياب نظام القائمة النسبية، ودون تغيير هيكلي في دور الإعلام وحالة الحريات، سوف يحصل الحزب الحاكم علي الأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان الأمر الذي يمكنه وحده من تشكيل الحكومة، كما هو الحال في بريطانيا ، لا أن يضطر لتشكيل حكومة ائتلافية إذا لم يحصل علي تلك الأغلبية كما هو الحال في ألمانيا0
ومن ثم، فإن الأخطر هو ما بعد الفوز لا الفوز نفسه لأنه عندئذ يكون الحزب الفائز مهيمنا علي السلطتين التشريعية والتنفيذية معا، ولكن هذه المرة بشكل شرعي تماما0 ويخطئ من يتصور أن البرلمان يلعب دورا أكبر في النظم البرلمانية بالمقارنة بالنظم الرئاسية0 فكما يقول عالم السياسة الإيرلندي مايكل لافر «إنه في النظم البرلمانية، البرلمان لا يحكم»0 فالحكومة يكون لها أغلبية واضحة داخل البرلمان تسمح لها بتمرير ما تشاء، وهو حال بريطانيا التي استطاعت فيها مارجريت تاتشر بل وتوني بلير تمرير قوانين لا تحظي بأي شعبية من خلال أغلبية الحزب الحاكم في البرلمان0
وهذا كله في الواقع لا يقلل من ديمقراطية النظم البرلمانية0 فجوهر العملية الديمقراطية فيها يتمثل في كون البرلمان بمثابة محكمة منعقدة طوال الوقت للحكم علي الوزارة، حيث يملك البرلمان سحب الثقة منها وإسقاطها، وهو سلاح قوي لا يجوز التقليل من شأنه، ولكنه سلاح لا يمكن أن يتوافر ما لم تكن هناك أحزاب معارضة قوية وصحافة حرة وقوي مدنية حية تتابع وتعارض وتسائل0
بعبارة أخري، فإنه حتي تحقق الجمهورية البرلمانية ما يصبو إليه المنادون بها لابد أولا من توافر الشروط الموضوعية اللازمة لنجاحها، بدلا من أن تتحول هي الأخري إلي شكل بلا مضمون0 ومن هنا يصبح من الضروري أولا اتباع نظام القائمة النسبية ثم تحرير الأحزاب من القيود المفروضة عليها ثم قيام أحزاب المعارضة نفسها بعملية مراجعة للذات يعتد فيها النظر في مجمل أدائها0 وتبحث جديا في الأسباب التي جعلت حركات اجتماعية تسحب البساط من تحت أقدامها0 عندئذ فقط يمكن الحديث عن الجمهورية البرلمانية وما إذا كانت أفضل لمصر0 أما القفز إلي اقامتها الآن فهو آخر ما تحتاجه لأنه يكرس هيمنة الحزب الواحد ولكن هذه المرة بعد إضفاء شرعية سياسية كاملة عليه0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة