صدق أو لا تصدق.. مؤسسة صحفية حكومية.. تشارك وتستثمر في
40 مشروعا تجاريا.. بعيدا عن الصحافة!.
بعد حركة الترقيات الأخيرة في بلاط صاحبة الجلالة.. من
الذي يصدقنا عندما نقول إن انتخابات الرئاسة ستكون نزيهة؟
من الذي يصدقنا.. عندما نقسم بالله العظيم.. إن صحافتنا
حرة.. وأنها ستقود التحول الديمقراطي.. وتتحدث بلسان
الملايين من سكان العشوائيات.. وليس.. فقط.. بلسان سكان
المنتجعات؟!.
مع احترامنا للزملاء الذين خرجوا.. بسبب السن.. وللزملاء
الذين دخلوا.. بسبب السن.. فإن المراقب لكل ما جري.. يلاحظ
أن الأمور.. لاتزال تسير علي ما كانت عليه منذ بداية
الثمانينيات وحتي الآن.
العقلية.. لم تتغير.. والحكومة تختار للقراء.. كاتبهم
المفضل.. والصوت الذي يطربها.. وحدها.. ويشجيها!.
نحن لم نتغير.. ونظرة المجتمع لصحافة الحكومة.. لم تتحسن
أو تتبدل إلي الأفضل.. وهو يتطلع إليها.. بلا مبالاة!.
وبالتالي فإن حركة الترقيات الأخيرة.. هي تأكيد جديد علي
أننا لا نستطيع الخروج إلي العالم بوجه جديد.. غير الوجه
القديم الذي ظللنا نطل به علي العالم طوال ربع القرن.
لقد أضاعت الحكومة فرصة نادرة.. لأن تبدأ الإصلاح.. من
الصحافة.. وقبل انتخابات الرئاسة.
وأن تكون ملكية الصحافة.. هي أولي قضايا الإصلاح.
وأن يفتح الحزب الحاكم أبواب الحوار.. لتشارك الجماهير..
وطلبة الجامعات.. وتلاميذ المدارس.. والبسطاء.. من أمثالنا
في مناقشة قضية ملكية الصحف.. وما إذا كانت التطورات
السياسية في العالم قد تجاوزتها.. أم أنها لاتزال الصيغة
المناسبة.. لنا.. في مصر.. باعتبارنا.. شكل تاني!.
وأتصور أنه إذا بدأ الحوار حول صحافة الحكومة فسوف يمتد
ليشمل الصحافة الخاصة.. التي لا يختلف أحد علي أنها.. في
كثير من الأحيان.. تتجاوز الدور الذي يتعين علي الصحافة أن
تقوم به.. بعيدا عن الابتزاز.. واغتيال السمعة!.
أريد أن أقول إن معالجة قضية الصحافة.. بالشفافية..
وبمشاركة الناس.. كانت الفرصة لتأكيد جديتنا في الإصلاح.
جديتنا في أن نخرج للعالم بوجه جديد، وبكوادر صحفية..
تكتب.. وتناقش.. وتحاور.. وتسافر.. ولها علاقات مهنية
وإنسانية بالصحفيين العالميين.. وتتمتع بثقافة شاملة..
وتتحدث اللغات الأجنبية.
رجال مهنتهم الصحافة.. والكلمة المطبوعة.. لا يعرفون
الطريق إلي المضاربة في العقارات، والأراضي.. ولا يساهمون
في الشركات الاستثمارية.. وشراء المطابع.. وإقامة المباني
العملاقة.. من أجل العمولات العملاقة.. ولا يعرفون
النفاق.. والدق علي الطبول والمزاهر.. في إهدار مروع
للكرامة الإنسانية!.
مرحلة الإصلاح القادمة.. تحتاج إلي الصحفي «المهني» الذي
يحترف الصحافة.. ويجري وراء الأخبار.
الصحفي الذي تؤكد كتاباته.. أننا قد تغيرنا.. وأننا بسبيل
الإقدام علي إصلاح حقيقي!.
هذا الصحفي.. هو «البطاقة الشخصية».. التي نقدمها للعالم..
عندما نتحدث إليه بأسلوب جديد.
وإذا تطلعنا لتجارب الدول التي سبقتنا علي طريق الإصلاح
السياسي.. نجد أن الإصلاح بدأ.. من الصحافة.. ومن فصلها عن
الحزب الحاكم.. ونفوذ الطبقة السياسية.
حدث ذلك في كل دول الكتلة الشرقية.. التي كان الحزب
الحاكم.. هو المالك فيها للصحف.. من مفهوم بسيط.. يتلخص في
أنه لا يمكن إجراء أي إصلاحات سياسية في ظل ملكية الحزب
الحاكم للصحف.
حدث ذلك في ألمانيا الشرقية.. ورومانيا.. وبلغاريا..
وبولندا.. والمجر.. والاتحاد السوفيتي نفسه.. إلخ.
وانتهي عصر ما كان يعرف باسم «الصحفي الحزبي».. الذي
يختاره الحزب أو ما كان يطلق عليه (Partijnost).. وكان
يعرف بأنه المناضل النشط في الدفاع عن قضايا الحزب (!!).
هو الصحفي الذي يختاره الحزب.. ليجلس علي قمة العمل
الصحفي.. ويدير العمل الصحفي لصالح الحزب.
ولا علاقة له بالقرار!.
الحرفية.. لا تهم!.
الولاء.. هو الأهم!.
بل إن أرقام التوزيع أيضا.. لا تهم.
أذكر علي سبيل المثال أن صحيفة «براندا» السوفيتية كانت
توزع 11 مليون نسخة يوميا.. في الوقت الذي كان فيه عدد
السكان 250 مليون نسمة.
وصحيفة «نيوس دويتشلاند» في ألمانيا الشرقية كانت توزع
مليون نسخة في شعب كان يبلغ عدد سكانه 8.16 مليون نسمة.
وهكذا كان حال جميع الصحف.. في الدول التي تختار للشعب
الصحفيين.. كما كانت تختار له المطربين.. والممثلين..
وفتيات الليل.
هذه الصحف لم يكن يهمها القراء.
يهمها من بيدهم التعيين، والترقية.. وغض الطرف عن
المغامرات الفاضحة.. والسلوكيات التي يندي لها جبين
البشر!.
وكانت النظرية السائدة تقول:
نحن في حاجة إلي صحافة.. تنحاز للحقيقة.. علي أن تكون هذه
الحقيقة في خدمة الحزب!.
والصحافة في الدول الشمولية.. لا تتمتع بسمعة طيبة.
هي صحافة سيئة السمعة.. في الداخل والخارج.
وكل صحيفة تتباهي بحكمة القيادة السياسية.. وبعد نظرها..
وطولة بالها.. وصبرها.. وأن الشعوب عالة علي الحكام!.
المهمة الأولي هي النفاق.. وضربت الصحف الرومانية.. وصحيفة
«رابونشيسكو» رقما قياسيا في النفاق.. عندما كتب رئىس
تحريرها مادحا شاد شيسكو بقوله:
.. عندهم يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر وكرومويل ونابليون،
ولينكولن.. أما نحن فعندنا ما فاقهم جميعا.. عندنا
شاوشيسكو!.
وبعدها بأيام.. جرت محاكمة شاوشيسكو.. وصدر الحكم بإعدامه
مع زوجته!.
ولذلك..
فلم يكن من المعقول أن تقود هذه الصحافة.. مسيرة الإصلاح
السياسي.
ومن ثم فقد بدأ الإصلاح.. بالخطوة المنطقية الأولي.. وهي
فصل ملكية الصحف.. عن سيطرة الدولة.
ومن هنا بدأت هذه الدول تطل علي العالم.. بلغة جديدة.. لم
تكن تصدر عنها من قبل.
اختفي النفاق.. وبدأ الإصلاح.
بالنسبة لنا في مصر.. أضاعت الحكومة الفرصة الذهبية..
لإعادة النظر في العلاقة بين الصحافة.. والحزب السرمدي.
وإذا كانت الحكومة تتحدث عن انتخابات رئاسية تتسم
بالشفافية.. فكان من باب أولي أن تبدأ هذه الشفافية بطرح
موضوع ملكية الدولة للصحف للحوار العام.
وكان أمام الحكومة أحد حلين:
الحل الأول: الدعوة لقيام صحافة تقود الإصلاح.
الحل الثاني: تصحيح الأوضاع القانونية، داخل الصحف.. بسبب
تجاوز القيادات القديمة لسن المعاش، وإجراء تعديلات في
الأشخاص.. دون المساس بجوهر المشكلة.
واختارت الحكومة.. الحل الثاني.. الحل «الترقيعي».. بكل ما
ينطوي عليه ذلك من عرقلة مشاركة الشعب لمسيرة الإصلاح.
وأسفر هذا الحل عن تسليم القيادات القديمة لسياراتها
الفاخرة للقيادات الجديدة.. لكي تتحمل المؤسسات الصحفية
نفقات شراء سيارات أخري للرؤساء السابقين.
وعادت «ريمة» لعادتها القديمة!.
ولم تقدم حركة الترقيات أي حلول لأزمات صاحبة الجلالة التي
تفاقمت بشكل مذهل خلال العشر سنوات الأخيرة.. والتي تضخمت
خلالها ثروات «بعض» القيادات الصحفية بشكل يصفه الزميل
رفعت رشاد.. بأنه يفوق التصور!.
وتحولت صحف الحكومة إلي جزء من الفساد العام.. وفقدت
بالتالي دورها الرقابي.. والتصدي للفساد والرشوة.. وأصبحت
قيادات بعض هذه الصحف.. المسنودة من القيادة السياسية من
ملامح الفساد الذي تحميه الدولة!.
واتجهت قيادات هذه المؤسسات الصحفية الحكومية.. نحو
تحويلها من مؤسسات صحفية إلي مؤسسات تجارية.. واستثمارية
وتصليح وصيانة السيارات.. ومعاهد تعليمية لتخريج المزيد من
العاطلين.
من مؤسسات تخدم مهنة الصحافة.. إلي مؤسسات تمارس أنشطة لا
تمت للصحافة بأدني صلة.. لا من قريب.. ولا من بعيد.
وقد سئل الأستاذ مصطفي أمين منذ عدة سنوات.
لماذا تلجأ صحف الحكومة لإنشاء مشروعات تجارية؟.
فأجاب الصحفي الكبير:
لأنهم فشلوا في أن يصنعوا صحافة حقيقية.. فأرادوا تغطية
فشلهم بالاتجاه إلي التجارة ومحاولة الكسب من ممارستها.
ولو كان الأستاذ مصطفي أمين قد عاش حتي الآن لأضاف سببا
آخر وهو استغلال السلطة بلا حدود.. بتشجيع ومساندة من
القيادة السياسية!.
فإلي جانب التنافس المحموم لشراء المطابع العملاقة..
وإقامة المباني العملاقة.. والحصول علي العمولات
العملاقة.. وإقامة المشروعات التجارية التي ينقل تليفزيون
الحكومة تفاصيل حفلات افتتاحها علي الهواء مباشرة.. بحضور
كل القيادات بما فيها قيادات الأجهزة الرقابية.
نري التنافس في حيازة السيارات الفارهة.. والحراسات
الخاصة.. التي لا نري لها مثيلا إلا في أفلام «رعاة
البقر».
ونري قيام بعض المؤسسات الصحفية بالمضاربة علي الأراضي..
وإقامة محطة لصيانة السيارات.. وتجارة أوراق الصحف.. وحبر
الطباعة.. والوساطة في إقامة الأفراح.. والتعاقد مع
الفنانين!.
ونري صحف الحكومة تتسابق في إقامة الأكاديميات.. وفي
ابتزاز وزارءالتعليم للاعتراف بها.. إلخ.
لم تكن هذه القيادات تملك الحد الأدني من الموهبة الصحفية
التي تسمح لها بالمنافسة في مجال المهنة مما دفعها للتنافس
في مجالات لا تمت للصحافة بأدني صلة.. لإخفاء فشلها في
مجال المهنة.. والحرفة.. والموهبة.. والثقافة العامة!.
وتشير التقارير إلي أن إحدي المؤسسات الصحفية القومية..
تمتلك وتشارك في 40 شركة استثمارية!.
40 شركة تبدأ من تجارة الدواء.. وإغراق السوق بالأدوية
المحظورة.. وحتي صيانة السيارات.. والحصول من المحافظين
علي أراضي الدولة المخصصة للمنفعة العامة، ثم بيعها..
وتحقيق مكاسب.. يجري تحويلها إلي دولارات تتسرب للبنوك
الأجنبية في الخارج.
مثل هذه الأنشطة التجارية.. لم يقم بها آباء الصحافة
المصرية علي مر التاريخ.
لم نسمع أن عبدالله النديم أو محمد التابعي أو حسين فهمي
أو مصطفي وعلي أمين أو إحسان عبدالقدوس أو أحمد بهاء
الدين.. قد عملوا بالتجارة أو حصلوا علي عمولات من جراء ما
عقدوه من صفقات.. أو توسطوا لدي الفنانين لإقامة الأفراح!.
ظاهرة تحويل المؤسسات الصحفية لمؤسسات تجارية واستثمارية..
أشاعت أجواء الفساد.. وأفرزت جماعة من المنتسبين للصحافة..
يمتلكون الضياع والمنتجعات والقصور.. بعضها في الداخل..
والبعض الآخر في الخارج.ووجدت في الفساد العام تربة صالحة
للإثراء علي حساب مهنة الصحافة.
فساد.. يساند الفساد!.
ففي الوقت الذي انكمشت فيه شبكة المراسلين الصحفيين
المصريين في الخارج.. وباتت مقصورة علي مؤسسة صحفية واحدة
هي «الأهرام» وفي الوقت الذي تعاني فيه المهنة من التقتير
والشح.. نري الإسراف والبذخ في كل ما ليست له علاقة
بالمهنة.
ومن هنا.. تبدو المفارقات العجيبة وعلامات الاستفهام:
كيف نطمئن علي تسليم العملية التعليمية لمؤسسة صحفية يقوم
بالتدريس فيها بعض العاملين بالصحيفة ذاتها.. مقابل أجر
إضافي؟.
كيف نطمئن علي استيراد أدوية.. رغم أنف وزارة الصحة التي
تخشي بأس القيادات الصحفية؟.
كيف لا نسأل الصحفي الذي يتحرك بأكثر من 20 سيارة، ويضم
مكتبه حمام «جاكوزي».. من أين لك هذا؟!.
كيف نطمئن علي حياد صحف الحكومة، ودورها الرقابي.. في
الوقت الذي تمارس فيه نفس الصحف أنشطة.. يسودها تبادل
المصالح والعمولات.
هذه هي القضية.
أريد أن أقول إن الدور الذي تقوم به صحف الحكومة.. تجاوز
الدور الذي كانت تقوم به صحف الكتلة الشرقية.. وهو دور في
حاجة إلي المراجعة.. بشفافية.
وإلي إصدار القوانين التي تمنع صحف الحكومة من ممارسة
أنشطة.. لا تمت لمهنة الصحافة.. بأدني صلة.
مطلوب وضع صحف الحكومة علي الطريق الصحيح.. للارتفاع بشأن
الصحفيين وبالمهنة.. وتزويدها بالكفاءات التي تمكنها من
الوقوف علي قدم المساواة مع الصحافة العربية الأخري.. ولا
أقول مع صحافة.. دولة صغيرة.. اسمها إسرائىل.
إسرائىل.. الدولة الصغيرة.. لها في ألمانيا 6 مراسلين
صحفيين، بينما لم يكن لمصر.. لسنوات طويلة.. سوي كاتب هذه
السطور.. علي سبيل المثال!.
ولذلك فإن الأوضاع المعقدة للمؤسسات الصحفية.. لن تحل
بحركة «ترقيات».. تعلن بين الحين والآخر.. وإنما بإنهاء
العلاقة العجيبة بين صاحبة الجلالة.. وحزب الحكومة..
وإقامة علاقة تقوم علي أسس شرعية وصريحة!.
العالم كله يعرف سلطان الحزب الحاكم علي صاحبة الجلالة..
ولذلك فهو لا يصدقنا.. عندما نقسم له بأن صحافتنا حرة..
ونردد له صباح مساء:
الصحافة حرة.. يا خواجة.. صدقني!.
العالم يعرف.. أننا نكذب!.