بعد صدمة تفجيرات شرم الشيخ.. وتوابعها من غضب، واستنكار،
ومسيرات، وصلوات، وتبرعات، وكلام كثير في الصحف
والتليفزيون عن اتهامات هنا وهناك.. من التقصير الأمني..
إلي عدم الحذر السياسي بعد صحوة تيار الإرهاب ليقصف بمناطق
متعددة من العالم.
وكنا نظن أننا بعيدون عن هذا الخطر واستسلمنا لغيبوبة الهم
اليومي مع لقمة العيش.
واستسلمنا للفرجة علي صراعات المصالح.. وصراعات المناصب..
وصراعات الانتخابات.
ونسينا -أو تناسينا -الخطر الذي ترصد لنا من خلف الحدود..
وخلف أبواب منازلنا.. حتي حدث ما حدث!!.
في تلك اللحظات العصيبة.. كنت كمن يريد أن يتكيء علي شيء،
يضيء له ظلام هذا النفق الرهيب.. وفتشت - كما هي عادتي -
في رصيد مشاهداتي السينمائية.. وتوقفت طويلا أمام حالة
مشابهة قدمها عبقري السينما الإيطالي «فريدريكو فيلليني»
في فيلم بعنوان «بروفة أوركسترا».
وقد شاهدت أول عرض للفيلم في مهرجان كان السينمائي عام
79.. أي أن الفيلم عمره الآن يتجاوز 26 عاما.. والمخرج
«فيلليني» نفسه رحل عن عالمنا منذ 12 عاما.. ولكن أصالة
الفن الصادق لا تندثر.. ولا تموت مع الأيام.. بل تبقي
شاهدة علي عظمة هذا الفن.. وعظم مبدعيه في القدرة علي
صياغة أفكارهم في رسائل فنية تعيش علي مر السنين.. نعود
إليها كلما غلبنا الحنين إلي الفن الجميل.. وكلما أرهقتنا
الأحداث.. نستشف منها إجابات نبحث عنها وسط زحام ما يجري
حولنا الآن.
وفيلم «بروفة أوركسترا» لا تزيد مدة عرضه علي سبعين دقيقة
فقط.. إلا أن حجم الضجة التي صاحبته، تردد صداها في كل بلد
في العالم، عرض به الفيلم.. وما كتب عنه من مقالات النقد
والتحليل، وما أجري من أحاديث صحفية مع مخرجه «فيلليني»،
يفوق بكثير ما كتب عن عشرات الأفلام الضخمة التي أنتجتها
استوديوهات هوليوود وأنفقت عليها عشرات الملايين من
الدولارات في الدعاية فقط!!.
ذلك لأن فيلم «بروفة أوركسترا» أصاب الفكر الأوروبي بهزة
عنيفة، لأنه - علي حد قولهم - ضرب في عمق الجرح الذي أصاب
إيطاليا.. ومازال يعاني منه العالم كله.. جرح الفوضي
السياسية والاجتماعية والأخلاقية.
يبدأ الفيلم بمجموعة أصوات آلات التنبيه للسيارات تأتي في
الطريق بطريقة مفزعة ومؤلمة.. ومن بين الأصوات يتسلل صوت
آلة التنبيه لسيارة إسعاف تحاول أن تجد طريقا وسط الزحام
الرهيب، الذي لا نراه علي الشاشة ولكننا نشعر به مكثفا من
خلال الأصوات فقط.. أما علي الشاشة فنحن داخل قاعة فسيحة،
مرتفعة السقف، حوائطها تدل علي القدم.. مثبت عليها صور
لمشاهير الموسيقيين.
ورجل عجوز يدخل القاعة ليضع النوت الموسيقية علي الحوامل
الحديدية المصفوفة في ثلثي القاعة.. الرجل العجوز ينظر
للكاميرا - أو ينظر لنا - ويحكي عن هذا المكان وتاريخه..
يقول إنه جزء من كنيسة قديمة، تحول إلي صالة لإجراء بروفات
الموسيقي.. وأن العازفين سيصلون الآن.. ويحكي الرجل العجوز
عن عشقه الخاص للموسيقي وكيف ارتبط بها.. ثم يرقص الرجل
منتشيا دليلا علي استمتاعه بالموسيقي!.
بعد لحظات يبدأ دخول العازفين.. كل منهم يحمل آلة.. وكل
منهم له عالمه الخاص.. منهم من يدخل ليمسح مقعده أكثر من
مرة ثم يتشمم رائحته.. ومنهم من يخرج من جيبه راديو
ترانزستور ليستمع إلي مباراة كرة قدم وعلي وجهه تتقافز
التعبيرات حسب مسار الكرة!.
وهناك المشغول بتصفح مجلة عارية.. ومن يدخل مسنودا علي
عكازه.. بينما يتشاجر اثنان من العازفين علي مقعد، وكل
منهما يقول إن المقعد له.
وهناك امرأة مشغولة بزجاجة خمر.. وآخر صامت تماما كأن ما
يحدث حوله لا وجود له.. بينما يجلس عازف متوتر الأعصاب،
مشدود الانتباه، وأنه مستعد للانفجار في أي لحظة!.
خليط متنوع من البشر.. كل منهم يحمل آلته الموسيقية.. ولكن
كلا منهم مشغول بنفسه وبهمومه التي لا علاقة لها إطلاقا
بالموسيقي!!.
وتدخل القاعة بعثة تليفزيونية جاءت لتسجل برنامجا عن
الفرقة الموسيقية، وتجري الأحاديث مع العازفين.. وكل منهم
يتكلم عن آلته الموسيقية، وارتباطه بها.. وكل منهم يؤكد
أهميته وينفي أهمية الآخرين.. هو أولا وقبل كل شيء، وآلته
الموسيقية هي الأساس.. وبقية الآلات كمالة عدد!!.
وتنتقل الكاميرا بين شخص وآخر.. ويتكرر نفس المعني بتفاصيل
مختلفة، وإحدي العازفات تصرخ بهلع لأنها شاهدت فأرا يتسلل
في شقوق الحائط، ويقوم بعض العازفين بمطاردته.. ويحدث
ارتباك بين الصفوف.. بينما المشغول بالاستماع إلي مباراة
كرة القدم، مازال يضع الراديو علي أذنه ويشتعل حماسا..
والعازف العصبي يتململ غيظا.. وتستمر بعثة التليفزيون في
تسجيلاتها مع العازفين!.
ويثير أحد العازفين تساؤلا.. هل سيحصلون علي أجر نظير هذا
التسجيل؟ ويبدأ الجدل.. ويتدخل مندوب النقابة الذي كان
حاضرا مع بعثة التليفزيون يحاول أن يفرض النظام.. ولكن بلا
جدوي!.
حتي يدخل المايسترو إلي القاعة ويقف في مكانه وينظر
للعازفين ينبههم للنظام والهدوء.. ويبدأ العزف.. ولكن
المايسترو يعترض علي الطريقة.. ويوقف العزف.. ويصرخ فيهم
باللوم، ويطلب منهم الإعادة.. ويتكرر العزف.. وتنطلق
النغمة المتجانسة.. ويدب الحماس في العازفين.. ويخلع بعضهم
ستراته، وبعضهم يتخلي عن قمصانه أيضا.. وينهمكون مع آلاتهم
في تلاصق حميم!.
وفجأة.. تهتز الأرض قليلا.. وتتساقط بعض الأتربة من سقف
القاعة.. ونسمع في الخارج صوتا مدويا.. ومع ذلك فالعزف
مستمر، وكل منهم مع آلته، تحت قيادة المايسترو.
إلا أن مندوب النقابة يطالب باستراحة للعازفين.. فلائحة
العمل تنص علي الاستراحة.. وينفجر المايسترو في مندوب
النقابة لأنه يعطل العمل.
.. ولكن مندوب النقابة يصر علي مطالبه.. فيترك المايسترو
القاعة إلي حجرته.. وتبدأ الاستراحة التي تنقلب إلي فوضي
جامحة!.
بعض العازفين يعتلون المقاعد لكتابة شعارات الاحتجاج ضد
المايسترو.. وتمتليء الجدران بالشعارات.. ويصرخ بعضهم في
جنون.. بينما يمارس بعضهم متعته الخاصة.. ويهتف أحدهم
بسقوط المايسترو، فلا ضرورة لوجوده، لأنهم يعرفون عملهم
جيدا.. ويصعد هذا العازف المتشنج إلي مكان المايسترو ليضع
مكانه آلة ضبط الإيقاع، ويعلل تصرفه بأن الآلة تستطيع أن
تقوم مقام المايسترو، ويرفض آخرون هذا المنطق.. ويدب
الخلاف.
أثناء ذلك.. تدوي طلقة رصاص أطلقها من مسدسه ذلك العازف
العصبي المنتظر لأية فرصة للاشتباك.. بينما عاشق الكرة
يستمع إلي المباراة في الراديو ولا يهتم بما يحدث حوله!.
كل هذا يحدث فجأة.. مع تزايد سقوط الأتربة من سقف القاعة..
واتساع شروخ الجدران واهتزاز الأرض.. وانقطاع الكهرباء.
وينزوي أحد العازفين في مقعده يبكي في رعب ويصرخ: «لماذا؟
لماذا؟!».
وفي لحظة مباغتة ينشق حائط القاعة من هول اندفاع كرة
حديدية ضخمة آتية من الخارج، والتي تستخدم في هدم المباني.
ومن تأثير تشقق الحائط.. تتزايد الأتربة.. وتتساقط اللوحات
من علي الحائط.. ويهرع أحد العازفين إلي المايسترو يسأله
ما العمل؟!.. ويتقدم المايسترو بهدوء إلي مكانه، يزيح
التراب والأحجار المتساقطة.. ويقف في ثبات ويطلب من
العازفين أن يمسكوا آلاتهم.. ويقول لهم بحسم صارم: «أنتم
في أماكنكم.. وأنا في مكاني هنا.. ابحثوا عن النوت
الموسيقية.. اتبعوا النوت.. أنتم موسيقيون»!.
ويرضخ الجميع لتعليمات المايسترو.. وينتصبون في أماكنهم
والتراب يتساقط عليهم.. والمايسترو يهتف فيهم: «ابدأوا..
البروفة مستمرة».. ويردد المايسترو بعض الكلمات
بالألمانية.. وكأنه صوت هتلر.. فتنطلق الموسيقي من جديد..
في تجانس.. وفي نظام.. رغم كل الانهيار الموجود!.
وينتهي الفيلم.. لتنطلق التفسيرات والتحليلات.. ومحاولات
فك رموز الرسالة.
ما الذي يقصده المخرج «فيلليني» - وهو كاتب الفيلم أيضا -
بهؤلاء العازفين الذين تستغرقهم مشاكلهم ونزواتهم
الخاصة؟.. ولماذا تفجرت احتجاجاتهم ورفضهم لقائد
الأوركسترا فجأة؟ وما معني الانهيار الذي حدث؟، ولماذا
عادوا لطلب المايسترو؟ ولماذا انصاعوا لأوامره؟ وما معني
الكلمات الألمانية التي نطق بها المايسترو وكأنه صوت
هتلر؟!.
هل يقصد المخرج «فيلليني» أن يشبه الحالة التي وصلت إليها
إيطاليا - أو في أوروبا عموما - بحالة هؤلاء العازفين
الرافضين للنظام أو القيادة.. ولكن عندما يشتد الخطر ويبدأ
الانهيار يهرعون في طلب القيادة؟.
وهل يحذرنا المخرج «فيلليني» بأن القيادة عندما تعود في
مثل هذه الظروف.. ستكون قيادة ديكتاتورية!.
المسألة محسومة.. إن الفوضي نتيجتها المباشرة ظهور
الديكتاتور.
وبالرغم من كل محاولات المخرج للتهرب من تفسير الفيلم،
وقوله «إن لعبة التعرف علي كل المعاني السياسية من خلال
الفيلم.. لعبة مؤذية للفيلم، لأنها تقتل براءته.. فأنا لا
أقدم سوي بروفة أوركسترا»!.
ورغم هذا التهرب من فضول الصحفيين.. إلا أنه في الكلمة
المكتوبة التي قدم بها المخرج «فيلليني» فيلمه، ووزعت علي
الصحفيين والنقاد في عروض الفيلم الأولي.. كتب يقول: «لقد
أردت ببساطة أن يشاهد بعض الناس تلك الصورة السينمائية
فيشعروا بقليل من الخجل، فأنا لا أعرف ما الذي يمكن فعله
لتغيير المجتمع.. ولكن ما أقوله دائما يتعلق بالأفراد..
لأن الخطر في داخلنا.. وليس خارجنا».
ثم يقول: «لقد راودتني فكرة الفيلم منذ زمن طويل.. فعندما
كنت أحضر تسجيل الموسيقي التصويرية لأفلامي.. كنت أندهش
تماما وأكاد لا أصدق تكرار هذه المعجزة في كل مرة.. هؤلاء
العازفون المختلفون عن بعضهم، يصلون إلي قاعة التسجيل،
حاملين آلاتهم الموسيقية، وحاملين أيضا همومهم الخاصة
ونزواتهم ومزاجهم السييء.. لكن من بين هذه الفوضي تخرج
الموسيقي المتناسقة.. هذه العملية من خلق النظام من بين
الفوضي، كانت تترك تأثيرا قويا في داخلي.. وكان هذا
الموقف، يماثل بشكل أو بآخر.. صورة الحياة في المجتمع
عندما يظهر تعبير جماعي دون أن يفقد أي فرد شخصيته، فنحن
لا نستطيع أن نبني شيئا جماعيا بدون أن نأخذ في الاعتبار
أهمية وجود دافع داخلي.. فإذا ألقينا مسئولية حياتنا
الشخصية علي عاتق شخص آخر فهناك دائما خطر السقوط في
اللامبالاة الجماعية.. وهذا الخطر يؤدي إلي ظهور خطر أفدح
بخلق السلطة الأبوية والتي تنتهي غالبا بالديكتاتورية»!.
وفي النهاية يصرح المخرج بوضوح شديد «إن فيلمي الصغير يمثل
حالة من فقدان العقل.. وهذا شيء مرعب أن نواجه بفقدان
العقل الجماعي.. وبالتالي ظهور الديكتاتور».
إلي هنا.. انتهت هذه الرسالة.
فهل وصل منها شئ لنا، يجيب عن بعض تساؤلاتنا في تلك الأيام
الصعبة والحاسمة التي نعيشها الآن؟!.