يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1240 (10-17) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

مداحو الأرصفة

 
 

وأزمة الثقافة الشعبية

 
 

عيد عبدالحليم

 

  في العقد الأخير من القرن العشرين، وفي السنوات الأولي من القرن الحالي تغيرت - كثيرا - ملامح الثقافة المصرية، فتراجعت علي سبيل المثال ما يمكن أن نسميه بالثقافة المؤسسة بجانبها الأكاديمي والمعلوماتي، مقابل تنامي وزيادة ما يمكن أن نسميه أيضا «ثقافة الرصيف»، وهي ثقافة تعتمد في الأساس علي تقديم وجبات سريعة من المعلومات السطحية - أحيانا - والمعلومات القائمة علي بنية الخرافة في أحيان كثيرة.
وإذا كان الرصيف هو الفترينة الشرعية التي تقوم بعرض شيء فإنه أصبح في الفترة الأخيرة عبارة عن مكتبة متنوعة الأغراض، تتضمن شرائط الكاسيت والكتب وغيرها من المصادر التي تبث المعرفة بشكل مغلوط في أذهان العامة الذين يلهثون وراء تلك الصناعة، وللأسف بحب ونهم شديدين دون أن يدركوا أن السم موضوع في العسل.
وإذا رجعنا - قليلا - إلي الوراء خاصة في بداية السبعينيات وظهور مسمي «الانفتاح» وصعود الطبقة البرجوازية وتنامي المد الرأسمالي علي حساب الطبقة المثقفة، مما مهد الطريق لظهور آليات متدنية للخطاب المعرفي دعت إلي تغيير الذوق، بدعوي الخروج من الرومانسية الاشتراكية إلي الواقعية، والدليل علي ذلك شرائط الكاسيت التي أفرزت نوعا من الغناء المشوه، وإن سماه البعض ب «الغناء الشعبي» - رغم عدم دقة التسمية وعدم صحتها أيضا - وقد تعلل أصحاب هذه الدعوي باسم الفلكلور مرة وباسم التجديد مرة أخري..!!.
فنجد صعود نجم «أحمد عدوية» وكتكوت الأمير وأخيرا شعبان عبدالرحيم، ومجدي طلعت وعبدالباسط حمودة، ممن تباع شرائطهم بملايين النسخ، في مقابل هبوط أسهم مطربين مازالوا متمسكين بأصول النغمة الموسيقية أمثال علي الحجار ومحمد الحلو في سوق الكاسيت.
ولأن تجارة الكاسيت - الآن - مضمونة الربح، فقد تحولت وبشكل يدعو للعجب الميادين الكبيرة والصغيرة علي السواء في القاهرة والأقاليم المختلفة إلي أسواق واسعة لترويج وبيع شرائط الشيوخ والفنانين والحكائين - وبعقلية تجارية بحتة - حاول أصحاب شركات الكاسيت والإنتاج الاعتماد - وبشكل كبير - علي أرصفة المساجد الكبري مثل ميدان الحسين، وميدان السيدة زينب في القاهرة بالإضافة إلي مسجد الفتح برمسيس، ميدان السيد البدوي بمدينة طنطا، وميدان إبراهيم الدسوقي بكفر الشيخ، وميدان عبدالرحيم القنائي بقنا، وغيرها من أرصفة المساجد الكبري في أنحاء الجمهورية.
وبهذه الطريقة بالغة المكر والدهاء، وفرت تلك الشركات أموالا كبيرة كانت تنفقها في عملية النقل والتوزيع، خاصة الشركات التي تتخذ من مسمي «الشرائط الدينية» غطاء لترويج بضاعتها الفاسدة المليئة بالمغالطات، وقد اتخذت هذه الشركات أسماء بعض المحافظات فنجد علي سبيل المثال «صوت الشرقية» و«صوت الغربية للإنتاج الفني» وغيرها، ومعظم زبائن هذه البضاعة - للأسف الشديد - من الريفيين البسطاء ويستخدم الرواة في الفن الديني تيمة فلكلورية، فضلا عن إيراد أذكار وأشعار للمتصوفة، بالإضافة إلي سرقة موازين موسيقية شهيرة لبعض أغاني المطربين من أمثال أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وغيرهم.
وتنتشر الأكاذيب والخرافات داخل النص المغني، وإن اعتمد بعض المطربين علي جوانب من السير الشهيرة كالسيرة الهلالية، وياسين وبهية، وعنترة بن شداد، وأبوالفوارس وغيرها، ومن أشهر الأغاني المسروقة والتي يتم توظيف ألحانها داخل سياق هذه الشرائط، أغاني «رسالة من تحت الماء» لعبدالحليم و«غاب القمر يا ابن عمي» و«زي الهوي»، وقصيدة «الأطلال» لأم كلثوم.
ويعتمد مداحو الرصيف - كما يمكن أن نسميهم - علي مزج قصصهم الاجتماعي الذي يحشون بها شرائطهم بمواقف قرآنية، وقصص ديني مثل قصة «يوسف عليه السلام وامرأة العزيز» و«السيدة مريم» وقصة «أم موسي» وقصة «يونس عليه السلام» مما يجذب الأسماع ويجعلها تغيب في واد آخر، ولعل ما يرسخ هذا المفهوم عند العامة انتشار مفاهيم التواكل والقدرية والاعتماد علي الدعاء - فقط - دون أدني اعتبار لمفهوم وقيمة العمل في الحياة ويفرط رواة القصص الدرامية في وضع الرتوش الهامشية التي تضفي علي الدراما قشورا تتعلق بالدين كأن يتم حشر بعض القصائد الدينية والابتهالات، والمدائح، حشرا في بعض المواضيع - ثم يعود الراوي لاستكمال قصته، ومن تلك القصص «شريف وشريفة» للشيخ أحمد مجاهد، وقصة «ماهر ومهران» للشيخ محمد عبدالهادي، وقصة «هانم والدكتور» لمكرم المنياوي.
ومعظم هذه القصص تعتمد - في الأساس - علي الخرافة كبنية أساسية، وتنجو من هذه الحالة بعض القصص ذات البعد الاجتماعي والإصلاحي مثل قصة «حسن ونعيمة»، وهي قصة - في الأساس - فلكلورية من التراث الشعبي، وقصة «شفيقة ومتولي» للشيخ حفني أحمد حسن وهي قصة متداولة في صعيد مصر تؤكد معني الشرف، وكيفية وأهمية الحفاظ عليه، وقصة «أدهم الشرقاوي» التي تغني بها الفنان محمد رشدي، وهي قصة ذات بعد فني واجتماعي كبير حيث استفاد منها الكثيرون في تحسين صورة ذلك البطل الشعبي ابن «إيتاي البارود» الذي وقف ضد القوي الغاشمة للاحتلال الإنجليزي علي قريته في بداية القرن العشرين.. ولعل أخطر نقطة في هذا الموضوع أن هناك مخططا إسرائيليا لضرب التراث المصري والعربي عن طريق الفلكلور الزائف الذي تغص به الشوارع والميادين.
فهل نصحو قبل فوات الأوان؟!.
سؤال يحمل قدرا كبيرا من الأهمية والإجابة عندك - أنت - أيها القاريء العزيز..!!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة