فى إحدى مقالاته «فى جريدة الوفد..» تحدث الأستاذ نبيل
زكي عن سياسة وسلوك القطيع، منوها أن المسئولين يعاملون
الشعب وكأنه قطيع من الأغنام، ومع ما في التشبيه «الواقعي
بكل أسف» من قسوة مهينة من حكام لشعب ذي حضارة متفردة،
وتاريخ مشهود، وما يحمله من مدلولات تخاصم الواقع العالمي
والقرية الكونية وكل مفردات وواقع العصر، ومع قبول
المسئولين بل وسعادتهم - ربما - بسماع التشبيه المذكور.
مع كل ذلك فإنني أختلف بشدة مع مقولة الأخ زكي.. وربما
يتعجب لشدة الاختلاف وهو الذي رآني ضاحكا.. منسجما فكريا
مع الكثير مما يقوله ويكتبه.. إلا أن الأمر يختلف هذه
المرة.. جملة وتفصيلا.
ومن ناحيتي أتمني من كل قلبي أن يعاملنا أسيادنا الحكام
«معاملة الراعي للقطيع» تلك المعاملة التي لم تحز إعجاب أو
قبول الأخ نبيل، تصور يا عزيزي أنني - وفي كامل قواي
الفكرية والوطنية والإنسانية.. إلخ - أتمني ذلك.. لماذا؟.
ببساطة لأن صاحب القطيع.. أي صاحب مزرعة «اسم الشهرة عزبة»
يهتم جيدا بالدخل والمكسب والمحصول والإنتاج.. ومن ثم فإنه
يبذل كل الجهد في مجال العناية بكل مصادر دخله.. وتحسينها
وتطويرها.. إلخ.. ومن المقولات المشهورة في ريف مصر أن
يردد الفلاح المصري: «البهيمة - عذرا - عندي زي عيل من
عيالي».. فالبقرة مثلا - مثلها مثل فرد الماعز أو الخراف -
يمثل مصدرا أساسيا للدخل.. يستدعي كل الاهتمام.. فهي تحمل
وتلد، تدر اللبن ومن ثم منتجاته، يكبر المولود ويباع مشكلا
ثروة للفلاح - وقد تتطور الأمور للأحسن ويقوم ذلك الفلاح
بتربية صغار الماشية مكونا قطيعا يحقق له الثراء الكامل
«نسبيا».. وللآن يحسب ثراء الفلاح المصري في إحدي النواحي
بعدد الماشية التي في حوزته.. وكان ذلك العدد مثارا للحسد
دوما.. وكان أبي - مثل غيره - يحظر علي «الأنفار» الخروج
بالماشية دفعة واحدة، اتقاء ذلك الحسد.. بالطريقة
المصرية.. كان مرض البقرة يمثل مشكلة للأسرة، بينما كان
موتها يشكل كارثة دون مبالغة.. حتي لأثرياء الريف، هذا
بينما كان وصول مولود جديد لها مثار سعادة للجميع.. مزيدا
من اللبن، مزيدا من أفراد القطيع.. مزيدا من الدخل والثراء
وربما الفخر في كل الأحوال.
ولا يختلف الأمر بالنسبة لراعي الغنم، سواء كان مالكا أو
مستأجرا «بفتح الجيم» فكلما زاد العدد.. زادت المكاسب..
ماديا ومعنويا.. علي الجميع.. كان هذا - ولا يزال - في ريف
مصر، في سبرباي طنطا، وكان ولايزال في الريف الهولندي
والفرنسي، رعاية الأغنام أو الماشية هي الهدف والوسيلة،
وهي الواجب والغاية.
وعودة إلي مصر.. أقسم أنني عرفت أسرا قامت بتربية أبنائها
من «دخل» جاموسة أو بقرة واحدة، من بيع لبنها وذريتها..
وكانت البقرة تمثل ركنا مهما بل وربما أهم ركن في تلك
الأسرة باعتبارها مصدر الدخل الوحيد والمرجو.
لذا كان المنطقي أن يهتم الراعي «أيا كان» بالغنم أو
القطيع أو الرعية.. أليس كذلك.. لصالحه علي الأقل.. وليس
فقط لدواع إنسانية أو حيوانية «عذرا».
نعود - مرة أخري - إلي مصر.. كي نعترض علي مقولة الأخ
نبيل، ونتساءل بكل بساطة: ألا يقوم الراعي بتوفير العناية
الصحية والغذائية والسكنية وغيرها.. لأفراد القطيع، ألا
يقوم الفلاح المصري بتوفير الغذاء، وتنظيف الحظيرة «عذرا»،
والسهر علي صحة وراحة - بل ونفسية - الأفراد المذكورين؟.
يكون التشبيه - إذن - في غير محله إذا كان المسئول لا
يراعي شعبه كما تنص كل القوانين الإلهية والوضعية، وكما
يهتم الراعي بالأغنام.
في الريف المصري - مرة أخيرة - تتفاقم المشاكل إذا قام
أحدهم بإيذاء حيوان يملكه آخر.. وتتردد تعبيرات: يضربه
ليه؟ مالوش صاحب؟ مافيش رحمة؟ مافيش إنسانية؟.
أرجو ألا يتبادر إلي الذهن سلوك بعض سفاراتنا بالخارج تجاه
المواطن المصري.. كما أرجو ألا يعتقد أنني أشير من طرف
بعيد إلي رجال الأمن المصريين «الأمن المركزي بالذات»، أو
أنني ألمح إلي ما حدث لبعض الفتيات يوم الاستفتاء.. أو إلي
ما يحدث في ممارسة يومية في معتقلات بعض دول العالم الثالث
«لا أقصد مصر طبعا» من إهانات للمواطن تتمثل في حرمانه من
كل حقوقه مادية ومعنوية، ومن شفط لأموال البنوك، حتي منعه
من التنفس الحر.
إلا أنني - كمصري - أحسد القطيع.. وأحقد علي الأغنام لأنها
تجد دوما من يهتم بها.. ويعطيها حقها.. أو في أقل القليل
يتركها لحال سبيلها.. يبيعها لراع آخر حتي ولو كان راعي
بقر، حيث ليس في الإمكان أسوأ مما كان.
ليس أسوأ من أن تكون الأغنام أسعد من الإنسان.