السياسات الإسكانية فاشلة ... والملايين يعيشون في العشوائيات
عبدالوهاب خضر
قال اللواء طلعت منصور رئيس حي منشأة ناصر في اجتماع
المجلس التنفيذي لمحافظة القاهرة إنه يرأس أسوأ حي عشوائي
في مصر ، ومن المعروف أن هذا الحي هو دائرة وزير الإسكان
!، وبرر منصور كلامه بالعشوائية التي تحكم المساكن هناك في
التخطيط والعمران والصراع القائم بين الدولة والمواطنين
والذي وصل إلي ساحة القضاء بسبب عدم توافر مساكن ملائمة
خاصة لسكان المقابر !!
وخلال الاجتماعات المحلية أعلن د. عبدالعظيم وزير محافظ
القاهرة أكثر من مرة أن العشوائيات تشوه وجه القاهرة ، وأن
هناك العديد من المناطق غير القابلة للتطوير ، وفي الوقت
الذي يوجد فيه الملايين من المواطنين الذين يحتاجون إلي
مساكن عاجلة خاصة وأنهم من محدودي الدخل .
وفي كلامه عن برنامجه وإنجازاته منذ أيام بمناسبة انتخابات
رئاسة الجمهورية اعترف الرئيس مبارك بعدد من المشاكل التي
يعاني منها المواطنون ومنها مشكلة الإسكان طبعا ولكنه لم
يطرح الحلول !
ووزارة الإسكان تعلن كل يوم عن مساكن للشباب ولمحدودي
الدخل وعن بناء مدن جديدة ومساكن وفيلات فاخرة لا يقدر علي
دفع ثمنها إلا الأثرياء !
تنتشر التصريحات والاعترافات وتبقي المشكلة كما هي لتكون
شاهدة علي عصر سياسات ربع القرن المعادية لمحدودي الدخل
والفقراء . فما هي ملامح هذه السياسات؟؟0
بالقضاء ومنذ أيام قليلة قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس
الدولة بأحقية مواطن محدود الدخل في الحصول علي وحدة سكنية
بمشروع مبارك لإسكان الشباب بمدينة 6 أكتوبر لتوافر الشروط
فيه ، وقالت المحكمة إن المدعي " المواطن " قد حصل علي
تخصيص وحدة سكنية رقم 7 بعمارة 6 إلا أنه فوجئ بإلغاء
التخصيص الأمر الذي يخالف القانون والدستور بحق المواطن في
السكن0
من ناحية أخري انتهي القضاء الإداري بمجلس الدولة أيضا إلي
عدم أحقية هيئة التعاونيات والبناء بإلزام المواطنين
متضرري زلزال 1992 من التعاقد معها علي شراء وحداتهم التي
خصصتها لهم المحافظات والوحدات المحلية التابعة بمقابل
انتفاع كونها ليست طرف تعاقد معهم، وقالت المحكمة إنه ثبت
أن جهة الإدارة قد خصصت لهم الوحدات السكنية التي ينتفعون
بها دون مقابل وذلك تعويضا لهم عن فقدانهم لمساكنهم نتيجة
الزلزال، ومن ثم لا يجوز لجهة الإدارة الرجوع عن هذا
التخصيص وإعادة بيعه للمنتفعين مرة أخري، وطالبت المحكمة
بسرعة الانتهاء من تسليم تلك المساكن لتلك الفئة من
"محدودي الدخل" كحق طبيعي لهم . أما الجمعية العمومية
لقسمي الفتوي والتشريع بمجلس الدولة فتصدر فتوي حديثة
باعفاء المساكن الاقتصادية " لمحدودي الدخل " والمنخفضة
التكاليف من فوائد القروض ، وتنتقد كل السياسات التي تهدر
حق هذه الفئة في المسكن الآدمي .
اختلال الاقتصاديات الواقع الذي يعيشه الآن سكان محدودي الدخل يؤكد فشل
السياسة الحالية التي تتبعها الدولة خلال ربع القرن
الماضية ، ويتطلب البحث عن بدائل فورية ومحددة كبداية
للاصلاح أو التغيير الجذري ، تلك المطالب التي يحددها
خبراء الإسكان طوال الفترة الماضية والذين يرون ان المشكلة
تكمن في اختلال اقتصاديات الإسكان وان تكلفة المسكن ارتفعت
من 50 إلي 70 ضعفا والأجور ارتفعت من 5 إلي 10 اضعاف خلال
ربع القرن الماضي وأن حل هذه الأزمة لن يحدث إلا عن طريق
تصورات في اتجاه تخفيف المعاناه لمشاكل الإسكان لمحدودي
الدخل ، بدلا من التصريحات الوردية أو الاعترافات التي لا
نسمعها إلا أيام الانتخابات !!
وكان الدكتور ميلاد حنا الخبير الإسكاني المعروف قد قدم في
ورقة عمل قدمتها لمجلس الشعب عام 1985 رؤية محددة لانقاذ
محدودي الدخل وهي ان المورد الرئيسي أو الإضافي لدعم
الإيجارات المرتفعه للإسكان الشعبي ( الذي يمكن أن تنشئه
الحكومة أو القطاع الخاص) يكون من موارد إضافية يتحملها
قطاع الإسكان الأهلي الفاخر وليس الدولة، وهو ما أطلق عليه
في ورقه مجلس الشعب عبارة الدعم منه فيه وذلك بأن نصدر
تشريعا يفرض ضرائب (سنوية تسدد شهريا) علي كل أنواع
الإسكان الفاخر ويكون المعيار الواضح للعيان هو مسطح
المسكن ونوعيه التشطيبات، وليس نوعيه الساكن أو دخله أو
ظروفه إليه، فهناك آلاف من وحدات التمليك التي شيدت في
غضون العشرين سنة الماضيه تحديدا، فضلا عن وحدات اخري
انشئت منذ سنوات طويله وربما قبل الحرب العالمية الثانية0
وبإيجارات هزيلة وبعضها مقفل ومستخدم كمخزن لمنقولات، فلو
كانت هناك وحده سكنيه ( فيللا للتمليك أو إيجار ) ولكن
بمسطح يزيد علي 500 م 2، فلا توجد عداله اجتماعيه إلا بأن
يدفع شاغلها ( حتي وان كان يمتلكها أو يقفلها) مبلغ 200
جنيه شهريا ، (أي 2400 سنويا) وإذا كان مسطحها يتراوح من
350 م 2 إلي 500 م 2 يتحمل مبلغ 150 جنيه شهريا لدعم اسكان
الفقراء، وهكذا تقل ضريبة دعم ايجارات مساكن الفقراء
تدريجيا، بحيث تعفي منها المساكن التي يصل مسطحها إلي 120
مترا مربعا فأقل، كما تخفض هذه الضرائب إلي النصف مثلا لو
كانت قديمة .
ويضيف د. حنا :وفي تقديري فإن نظام الضرائب العقاريه
(العوايد) في حاجه إلي مراجعة شاملة، فطريقه تقديراتها
صارت عتيقه وحصيلتها هزيلة0
فجوة كل الحقائق تؤكد أن الدولة تسير نحو الإسكان الفاخر
وفوق المتوسط وتهمل إسكان محدودي الدخل والأمر الذي يؤكد
فشل السياسة الراهنة في حل مشكلة العشوائيات وايقاف الزحف
السكاني نحوها فهناك 15 مليون مواطن يسكنون أحياء عشوائية
في جميع المحافظات . فالتعريف العلمي للإسكان الاقتصادي
يقول أن الوحدة تتراوح مساحتها بين 40 إلي 60 مترا ويكون
أغلبها في حدود 50 مترا ، لكن ما أقامته الحكومة خلال
السنوات القليلة الماضية وفقا لمعايير الوحدات الاقتصادية
لم يزد علي 5% من الإنشاءات .
محدودو الدخل والسياسات الوهمية ! وبالنظر في دراسة للدكتور أبو زيد راجح وهو رئيس مركز
بحوث الإسكان والبناء والتخطيط العمراني سابقا حول " اسكان
محدودي الدخل " قال إن 18% من الأسر المصرية تعيش في غرف
مشتركة وغير آدمية وإن معدل التكدس يبلغ 7 أفراد في غرفة
واحدة ، والدراسة كانت داخل بعض الحارات بالقاهرة مثل "
السكرية " وكشفت أن عشرات الأسر يشتركون في دورة مياة
واحدة الأمر الذي يعني غياب سياسة واضحة للإسكان .
وتشير بيانات وزارة الإسكان نفسها أن إسكان محدودي الدخل
أنواع منها سكان العشش، أو ما يسمي بالإسكان المشوه، ويشمل
18 منطقة سكنية ثم سكان المقابر ، وعدد سكانها نصف مليون
مواطن في القاهرة وحدها ، وفي أحواش المقابر 1150 أسرة
تؤجر أحواش المدافن التي تقيم فيها ، و3088 أسرة ليس لديهم
مطابخ و1233 أسرة لديهم مرحاض مشترك، ولا يوجد حتي الآن
إحصاء شامل لهم، بينما يمثل سكان العشوائيات نمط آخر
لمحدودي الدخل، وهولاء يبلغ تعدادهم نحو ثمانيه ملايين
مواطن، موزعين علي 497 منطقه سكنية علي مستوي الجمهورية .