يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1240 (10-17) أغسطس 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

مصر.. دولة بلا مؤسسات..

 
 

وأخطر القرارات تصدر بناء علي توجيهات

 
 

عبدالستار حتيتة

 

 

رئيس الجمهورية يحكم ولا يخضع للمحاسبة.. وحكومات بلا سلطة.. تخضع للمحاسبة

استمر الرئيس حسني مبارك رئيساً للسلطة التنفيذية طوال نحو ربع قرن، وذلك منذ عام 1981 حتي الآن، وفي الأزمات الاقتصادية والتدهور في الحياة السياسية، يقول الرئيس إنه يفوض رئيس مجلس الوزراء في إدارة شئون الدولة، وذلك مع كل تشكيل حكومي جديد. لكن قد يكون هذا مجرد إطار نظري يضع التبعات القانونية والدستورية علي شخص رئيس مجلس الوزراء والوزراء التابعين له، وينأي الرئيس بنفسه عن أي مسئولية، وهذا كله لا يمنع وجود حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الرئيس يحكم ولا يحاسب ورئيس الوزراء ووزراؤه يحاسبون دون أن تكون لديهم سلطة فعلية في الحكم، ووقف رؤساء وزارات سابقون أمام مجلسي الشعب والشوري ليدافعوا عن السياسات التي ينفذونها قائلين: «إنها بتعليمات من الرئيس مبارك» وكذلك يفعل الوزراء، ومن أشهر هؤلاء الوزراء الذين يسندون كل ما يقومون به إلي توجيهات الرئيس مبارك وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة محمد إبراهيم سليمان.
ويملك الرئيس مبارك زمام الأمور بين يديه منذ توليه منصبه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي حتي اليوم مع ملاحظة أن الرئيس لم يتخل عن أي جانب من جوانب السلطة لأي مؤسسة في الدولة، إلا فيما ندر.. ويمكن أن نلاحظ أنه منذ بداية الألفية الجديدة استطاع نجل الرئيس أن يستحوذ علي بعض الاختصاصات بحجة مساعدة السيد الوالد علي الرغم من أن جمال مبارك ليس له صفة معترف بها في الدولة، وفيما عدا ذلك عاشت مصر طوال عقدين ونصف عقد علي التعليمات والتوجيهات، دون الأخذ في الاعتبار بتقارير الأجهزة الرقابية والمؤسسات العلمية والإدارية التي كانت لها أبحاث وتوصيات ومقترحات تختلف عن تعليمات الرئيس وتوجيهاته.

توجيهات
وفي ظل التعليمات والتوجيهات «حسب روايات الوزراء» سادت حالة من التفسخ والفوضي والتدهور والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وكان يمكن أن نلتمس الأعذار للرئيس مبارك لو لم يكن في مصر جامعات وأساتذة وخبراء ومراكز أبحاث وكوادر سياسية ودستورية واقتصادية لكن مصر فيها كل هذا وأكثر.. والمشكلة الكبيرة التي صنعها الحكم لمصر، وستسمر لعقود مقبلة، وستؤثر علي أجيال قادمة تتلخص في أن الرئيس لم يستخدم الإمكانات القائمة في الدولة، لصالح الدولة.. أي أنه لم يتمكن وحده من إدارة الموارد الطبيعية والبشرية لخدمة مصر.. واستعان بدلاً من ذلك بنصائح الخبراء الأجانب والسياسيين سواء في البنك الدولي أو صندوق النقد، أو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «المعونة» علي الرغم من أن المواطن البسيط يدرك بالفطرة أن الأجانب لا يعنيهم في الحقيقة إن كانت مصر ستتقدم أم ستتخلف.

الخواجات
سياسة الأجانب والخواجات الذين دخلوا للعمل من خلال الإدارات والمؤسسات التابعة للدولة، ليسوا مجرد «خبراء ورجال مال وأعمال».. وليسوا مجرد وكلاء لتقديم المنح والقروض الأجنبية بل تقف وراءهم سياسات لدول رأسمالية كالولايات المتحدة، وأجهزة استخبارات لا تريد خيراً لمصر كالموساد الإسرائيلي، ولذلك فإن أحد الأسئلة التي لا تجد إجابة شافية يقول: لماذا تضع مؤسسات الإقراض تلك شروطاً تؤثر بشكل مباشر علي التركيبة الاقتصادية والاجتماعية للمصريين، والسؤال الأخطر هو: لماذا يوافق نظام الحكم علي مثل تلك الشروط التي تصل إلي حد التدخل لزيادة أسعار مياه الشرب ورغيف العيش، وتقليص الدعم، وخفض عدد الموظفين في الدولة، والتخلص من القطاع العام، ورفع يد الدولة عن وسائل الإنتاج الصناعي والزراعي، ورفع يدها أيضاً عن تسعير المنتجات، وغيرها الكثير..
ولا يملك أي رئيس وزراء، ولا أي وزير، اتخاذ مثل تلك القرارات التي نتج عنها إدخال مصر في سلسلة من اتفاقات المنح والقروض المشروطة.. حتي نواب الحزب الوطني الذين كانوا يشعرون بيد التدخل الأجنبي في شئون السياسات الداخلية والخارجية، كانوا يلتزمون الصمت حين يبرر لهم قادتهم في الأمانة العامة للحزب، وقادتهم في مجلس الوزراء، بأن كل ما يحدث ليس من بنات أفكارهم بل بتعليمات وتوجيهات الرئيس!

الطيار
حسني مبارك رجل وطني له دور تاريخي في تحرير الأرض من الاستعمار، ووضع روحه علي كفه في العديد من الأحداث.. وهو طيار مصري محترم.. منضبط، ومخلص، ولا أحد يملك دليلاً علي أن الرئيس كان يعمل منذ توليه الحكم حتي الآن، قاصداً إيذاء مصر والمصريين.. لكن السياسات الرسمية علي مدي ربع القرن الماضي لم تؤد إلا للتدهور العام، والتخلف عن ركب العالم، وفقدان المكانة المصرية في المنطقة والعالم ولا يملك البرلمان ولا أي جهة في مصر محاسبة الرئيس.. وفقاً للدستور.
كما لا يملك أحد أن يجرؤ علي مواجهة الرئيس مبارك بالحقائق، أو عرض وجهة نظر مخالفة لما يراه الرئيس.. المعارضة تقول وتحذر وتقدم النصح حيناً، وأحياناً تدق ناقوس الخطر.. لكن الرئيس مبارك يستند في تقرير الصواب والخطأ إلي جدران الحزب الوطني وبعض المؤسسات الأمنية التي تحرص دائما علي عدم إغضاب الرئيس أو زيادة ضغط الدم في البيت الرئاسي.. فكله تمام يا فندم، وإلي الأمام يا فندم.. وأمضي نواب الحزب الحاكم نحو ربع قرن من العمل مع الرئيس مبارك وهم يصفقون له، وينشدون قصائد المديح، ويؤجلون وضع أي حلول للمشاكل المتفاقمة..

حكاية
في إحدي السنوات في بداية الثمانينيات هبط الرئيس مبارك بطائرته في مطار سيدي براني بمحافظة مطروح، وتصادف في تلك السنة أن أمطار الشتاء كانت غزيرة، وقام أهالي المنطقة من أبناء قبائل أولاد علي بزراعة أراضي سيدي براني وما حولها بالقمح، وحين رأي الرئيس السنابل وهي تتفتح بالخير الوفير، سأل مرافقيه: لماذا لا تزرعون كل هذه الصحراء قمحاً؟ هذه الواقعة تثبت لك أن الرئيس مبارك رجل مصري ووطني مائة في المائة.. لكن السؤال هو: لماذا اكتفي الرئيس بالمناقشة مع مرافقيه حول موضوع استراتيجي كزراعة القمح في الصحراء..؟ لماذا لم يوكل الأمر إلي مجموعة من الخبراء والمختصين؟ هنا نذكر أن المتحدث باسم الحاشية حول موضوع القمح في ذلك الوقت كان هو الدكتو يوسف والي وزير الزراعة وهذا الوزير لا شك أنه كان يعلم أن الأمطار الغزيرة القادرة علي إنبات القمح لا تسقط علي سيدي براني وما حولها إلا لمدة سنتين في كل سبع سنوات..

نتائج
الوزير اعتبر ما قاله رئيس الدولة أمرا واجب التنفيذ فوراً، وسارع بإرسال المزيد من شاحنات تقاوي القمح لزراعة الصحراء ودخلت وزارة سيادية أخري في الخط، وسارعت بمعداتها الثقيلة في حرث الصحراء وبدأ الخبراء يحذرون مما يحدث فالجرافات التي كانت تزيل الغطاء النباتي لصحراء براني والنجيلة لن تؤدي لإنبات القمح؛ بل إلي التصحر، وتخريب مساحات واسعة من الأراضي والمراعي وهو ما حدث بعد ذلك، ولم يستفد من تلك «المبادرة العشوائية» غير نفر قليل من الوزارة السادية وذلك من خلال الاستيلاء علي أراضي المواطنين، وعلي أغنامهم وإبلهم.
لم تكن تلك الواقعة تحتاج إلي سؤال الخبراء في الحقيقة.. بل سؤال المواطنين من أهل المنطقة عن إمكانية زراعة القمح، وإمكان إدارة موارد سيدي براني والنجيلة.. وكان يمكن لو حدث ذلك قبل عشرين سنة، زيادة الثروة الحيوانية وتصديرها وتوفير العملات الصعبة لخزينة الدولة.. بالإضافة إلي الحفاظ علي الغطاء النباتي لاستخدامه كمراع في سنوات الجفاف، وزراعته بالقمح في السنوات المطيرة.

الفشل
وقس علي ذلك الآلاف من الوقائع التي تتعلق بالعديد من المشروعات الاستراتيجية والقومية خذ مثلاً المشروع القومي لتعمير سيناء.. خذ أيضاً المشروع السيئ السمعة الخاص ببيع مصانع وشركات القطاع العام.. وإلغاء مشروع الطاقة النووية بالضبعة، وتوريط الدولة في مشروع توشكي المثير للجدل.
ربما كان من سوء حظ الرئيس مبارك أن الذين استعان بهم في مجلس الوزراء وفي الأجهزة التي تقدم له التقارير والمشورة، كانوا يفتقرون إلي القدرة علي التناقش والتحاور، وقول الحقيقة دون تزيين.. لكن النتائج النهائية التي أسفرت عنها كل تلك التوجهات لا يتحمل مسئوليتها غير الرئيس، نظريا ، أما عمليا فإن الرئيس مبارك بريء من كل التدهور العام الذي تغرق فيه مصر.. فوفقاً للقانون والدستور يتم عرض موازنات الدولة وحساباتها الختامية، وتقارير أجهزتها الرقابية علي البرلمان ليقرها ويعطيها المشروعية أو يرفضها ويحيلها للتحقيق والمحاكمة.. والبرلمان الذي أعطي المشروعية لكل ما قام به رئيس الدولة وسلطته التنفيذية كان طوال فترة حكم مبارك برلماناً مشوهاً.. يضم تجار مخدرات وهاربين من التجنيد وناجحين بالتزوير ولصوص بنوك ومحترفي استيلاء علي أراضي الدولة.. كل هؤلاء لديهم ملفات تدينهم داخل الأجهزة الرقابية والأمنية.. وكل هؤلاء كانوا يصفقون لسياسات الرئيس.. والغريب أن مبارك كان يرد علي هؤلاء ملوحاً مبتهجاً راضياً ومطمئناً وكأنهم يمثلون الشعب حقاً، وكأنهم يمثلون المشروعية الدستورية فعلاً.

التستر
في سنة من سنوات التسعينيات بدأت «الأهالي» في الكشف عن أخطر عصابة تقوم بنهب أموال البنوك.. وقدم زميلنا المحرر الاقتصادي مصباح قطب، مستندات ووثائق علي مدي أسابيع تحمل أسماء الذين استولوا علي المليارات من أموال الجهاز المصرفي إما بدون ضمانات أو بضمانات غير كافية.. وبدلا من تشكيل لجنة تابعة للدولة للتحقيق فيما تنشره «الأهالي».. اضطر رئيس التحرير نبيل زكي لإرسال محررنا الاقتصادي للاختباء في شقة بالإسكندرية والكتابة من هناك، للابتعاد عن الضغوط التي كانت تستهدف وقفه عن مواصلة الكتابة.
كيف يحدث هذا في دولة تريد أن تتقدم؟.. كيف تترك السلطة التنفيذية حفنة ممن يسمون أنفسهم رجال أعمال لينهبوا أموال البلد.. أين رئيس الدولة..؟ أين أجهزته الأمنية والرقابية..؟ كيف يترك محرراً اقتصادياً يواجه حيتانا ووحوشا، وكيف يترك بين ملايين المواطنين شعوراً بأن الدولة في الحقيقة ليست إلا مجمو عة من اللصوص.. فريق منهم يغرف من خزائن الجهاز المصرفي، وفريق آخر يتولي حمايته من المحاسبة أو المحاكمة!

البنوك
قوة ما نشرته «الأهالي» جعل الموضوع أشبه بالخيال.. حتي النواب من التجمع والمستقلين الذين تقدموا باستجوابات حول نهب البنوك لم يصدقوا أن السلطة التنفيذية لا تملك تكذيب وقائع سحب مليارات الجنيهات بلا رقيب من بنوك مصر وأشار الدكتور عاطف عبيد حين تصدي للنواب في مجلس الشعب أن إثارة هذا الموضوع سوف يغضب الرئيس وأنه لا يجوز نشر فضائحنا علي الملأ، حتي لا يهرب المستثمرون، ولا يشعر المودعون بالقلق علي مدخراتهم.. وقد تكون مشغوليات الرئيس مبارك قد حالت بينه وبين إدراك خطورة ما ذهب إليه بعض الوزراء «منهم الدكتور يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد حينذاك» بأن المطالبة بمحاسبة اللصوص سوف تكدر صفو الرئيس.. هل هذا يجوز..؟ أين أجهزة الأمن التي تقدم تقاريرها لمبارك..؟ لماذا لم تلفت انتباهه إلي هذه المؤشرات الخطيرة التي لا تؤدي إلا لانخفاض أسهمه في أوساط الرأي العام، وفتح باب الأقاويل عن أن كل ما حدث وما يحدث هو بعلم مبارك، ولا أحد غيره إلا إذا كان هناك حاكم آخر خفي يملك سلطة التصرف في شئون مصر!

المستشارون
ولخص مستشارو السوء الذين استعان بهم الرئيس حل مشاكل البطالة والأسعار والسكن والمواصلات في جملة واحدة هي «خفض عدد السكان» وظل رئيس الدولة يردد هذه الجملة علي مدي سنوات، وكأن عدد سكان مصر قد فاق عدد سكان الصين أو الهند.. ورغم أن غالبية المصريين استجابوا لبرامج تنظيم النسل، إلا أن فرص العمل مازالت تتراجع، والأسعار مازالت في تزايد، والشقق لا تكفي المتزوجين حديثاً، وتذاكر الأتوبيسات ذات الخمس والعشرين قرشاً تختفي، وتحل محلها تذاكر الأتوبيسات ذات الخمسين قرشا والجنيه وحتي جنيهين وثلاثة جنيهات.
وفي رأي الخبراء المصريين الموجودين في الجامعات ومراكز الأبحاث، والذين لم يتطوع أحد بأخذ رأيهم، فإن زيادة السكان يمكن أن تستغل لصالح زيادة الإنتاج وزيادة فرص العمل، وفي خفض أسعار المنتجات أيضاً.. وحسب النظريات الاقتصادية، فإن إنتاج فرد واحد يوفر سلعا وخدمات لعدد من الأفراد يتراوح بين خمسة وسبعة أفراد آخرين.. والمشكلة وفقاً لنواب المعارضة والمستقلين ليست في زيادة عدد السكان، بل في إدارة الموارد لتلبية احتياجات المواطنين.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة