علي غرار المادة 76 الخاصة بتعديل الدستور وبعد مرور
ما يقرب من ربع قرن بدأت الحكومة والمسئولون في الحزب
الوطني الترويج لنهضة جديدة .. وكأن الربع قرن الماضية لم
تكن محسوبة من حكم الحزب الوطني أو من تاريخ مصر .. أو
بمعني آخر أنه كان هناك نظام سياسي يحكمنا غير النظام ا
لحالي.
بدأ الحزب الوطني في اختزال ربع قرن من التاريخ المصري ومن
عمر الشعب المصري .. كان فيه مشاكل وقضايا جماهيرية اعترفت
بها التقارير الحكومية نفسها. ورغم تعاقب حكومات الحزب
الوطني لم تستطع أي حكومة من تلك الحكومات مواجهة هذه
المشاكل ولو جزئيا، والطريف أن الحزب الوطني نفسه في
تقريره السنوي قد اعترف بشكل واضح بحجم تلك المشاكل منها
قضية رغيف الخبز وارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة
معدلات التضخم.
وعلي مدار الأربع والعشرين سنة الماضية شهدت أسعار السلع
الغذائية الأساسية ارتفاعات بمعدلات متزايدة فاقت كل
التوقعات ولم تواكب معدلات الزيادة في الأجور والمرتبات
هذه الأسعار.. الأمر الذي فرض أعباء مالية علي الأسر
المصرية وفقدها الشعور بحدوث أي تحسن في مسيرة الاقتصاد
المصري بجانب الأعباء المفروضة عليها في الصحة والتعليم
والمواصلات.
ربما يتبادر إلي الأذهان - ما تحاول الحكومة ترويجه - أن
ارتفاعات أسعار السلع الغذائية مرتبط بما يحدث في الأسعار
العالمية لهذه السلع ، وهي حقيقة لا ننكرها علي أساس أن
هناك دولة علي مدار ربع قرن لم تضع خططا طويلة الأجل لسد
الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك بل كانت خططها تقوم
علي سياسة الفعل ورد الفعل فقط .. فلم تزد مساحات المحاصيل
الأساسية مثل القمح والحبوب الزيتية ولا تعاملت بخطة طويلة
الأجل مع الزيادة السكانية التي تتعلل بها الآن.
واليوم وبعد مضي ربع قرن تقريبا ما زالت مصر من بين أوائل
الدول المستوردة للقمح وتعتمد علي الخارج في استيراد 60%
من منتجات الزيوت - كما قال المسئولون في ا لحكومة.
خلل في الأداء وطبقا للتقارير الرسمية فإن ارتفاع السلع الغذائية
المستوردة من الخارج يبدو أمرا طبيعياً.. لكن أن ترتفع
أسعار السلع المنتجة محليا والتي تتمتع فيها مصر بميزة
نسبية مثل الأرز والسكر والفواكه والخضراوات بنفس معدلات
السلع المستوردة فإن ذلك يعني وجود خلل في الأداء
الاقتصادي علاوة علي عدم وجود آليات لضبط الأسواق.. وكأن
آليات الحكومة تعني الفوضي ويكفي كما قال أحد المسئولين -
بلد تنتج الأرز وتصدره للخارج ويرتفع فيها السعر بنسبة
200% وكذلك السكر وبنفس النسبة .. فإن ذلك يؤكد أن هناك
آليات تتحكم في السوق المصري بدءا من التصنيع والإنتاج
وحتي التسويق - غير الآليات الحكومية في إشارة إلي
احتكارات القطاع الخاص ورجال الأعمال والتجار.
ربما تكون سلع مثل القمح والأرز والسكر مثالا حيا ودليلا
علي فشل سياسات الحزب الوطني علي مدار ربع قرن تقريبا وفي
الوقت الذي تتعلل فيه الحكومات المختلفة بأن اتساع الفجوة
بين الإنتاج والاستهلاك في القمح يرجع إلي الزيادة
السكانية فإن السؤال الذي يحير جميع المسئولين وحتي
الخبراء - أين كانت تلك الحكومات منذ الثمانينيات وحتي
الآن من قضية توسيع الرقعة الزراعية؟!
حقائق هناك حقائق خطيرة تكشفها التقارير الرسمية ومراكز
الأبحاث المختلفة ملخصها أن مصر فشلت علي مدي ثلاثة عقود
في سد الفجوة أو علي الأقل تضييقها بين إنتاج القمح
والاستهلاك والتي ما زالت تتراوح ما بين 45% و50% أي أن
مصر بعد ربع قرن مازالت تعتمد علي الخارج في توفير نصف
احتياجاتها من القمح تقريبا.
وتشير تقارير الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي أن مساحة
الأراضي المزروعة بالقمح قد ارتفعت من 4،1 مليون فدان تنتج
8،1 مليون طن عام 84 إلي 5،3 مليون فدان تنتج حوالي 7
ملايين طن عام 2004.
أي أن معدل الزيادة في مساحة الأراضي المخصصة لزراعة القمح
تصل إلي 175 ألف فدان سنويا علي مدي ربع قرن وأن معدل
الزيادة السنوية في الإنتاج المصري لم يتعد 350 ألف طن.
لذلك لم يكن غريبا أن تعلن منظمة الفاو أن إنتاج مصر والذي
كان يقدر بحوالي 4 ملايين طن عام 92 وارتفع إلي 5،5 مليون
طن .. وأخيرا إلي 7 ملايين طن قد أدي إلي زيادة الواردات
المصرية من القمح بحوالي 5،6 مليون طن سنويا.. بل اعتبر
الخبراء أن التحدي الخطير الذي تواجهه مصر علي المدي
القصير وحتي الطويل يتمثل في كيفية توفير احتياجات المواطن
المصري من القمح خاصة أن معدلات الاستهلاك قد زادت علي
5،12 مليون طن سنويا.
خفض الدعم لقد انعكس هذا الوضع الخطير علي حياة المواطنين.. وعلي
مدار الحقب الماضية فرضت الحكومات المختلفة سياسات من
شأنها خفض الدعم عن بعض منتجات القمح في الثمانينيات كان
هناك ثلاثة أنواع من الدقيق المدعم 82% الخاص بإنتاج العيش
البلدي و86% المخصص للعيش الشامي و72% للعيش الأفرنجي..
لكن في بداية التسعينيات قامت الحكومة بإلغاء الدقيق
استخراج 86% ورفع الدعم عن الدقيق 72% والإبقاء فقط علي
العيش البلدي.
ومنذ تطبيق هذه السياسة تفجرت أزمة العيش في جميع
المحافظات، وتحمل المواطنون من محدودي الدخل والفقراء عبء
تلك السياسة والتي أدت إلي ارتفاع أسعار منتجات الدقيق من
المكرونة ومنتجات الدقيق الأفرنجي؛ وحدث نوع من التحول في
الأنماط الاستهلاكية بعد تحول جميع الفئات إلي العيش
البلدي، ويكفي أن معدل استهلاك العيش البلدي يصل إلي 200
مليون رغيف يوميا بواقع 6،6 مليار رغيف شهريا في مقابل 10
ملايين رغيف شامي وأفرنجي يوميا.
لقد ارتفعت في المقابل معدلات استهلاك الفرد من القمح
ومنتجات الدقيق نظرا لارتفاع أسعار كل السلع الغذائية إلي
772 كيلو سنويا.. بواقع 315 جراما يوميا من الدقيق العادي
بواقع 115 كيلو سنويا من الدقيق الفاخر بواقع 53 جراما
يوميا وحوالي 7 كيلو ردة سنويا. كما ارتفعت معدلات استهلاك
الذرة الشامية إلي 72 كيلو للفرد سنويا بجانب 13 كيلو من
الذرة الرفيعة.
إذا كان ذلك واقع سلعة يتم استيراد ما يزيد علي 47% منها
من الخارج فإن الوضع يعد أسوأ بالنسبة لبعض السلع الرئيسية
التي تتمتع فيها مصر بخبرة نسبية مثل الأرز ورغم ذلك يعاني
المواطنون من ارتفاع أسعاره. هل يعقل أن ترتفع سلعة تنتج
محليا بنسبة تزيد علي 20%.
الأرز والقطاع الخاص تشير التقارير الصادرة عن وزارة التموين والتجارة
الداخلية إلي أن مساحة الأرز كانت تصل إلي مليون فدان تنتج
حوالي 2،3 مليون طن أرز شعير ارتفعت إلي 2،1 مليون فدان في
أواخر التسعينيات تنتج 2،4 مليون طن شعير وتقول التقارير
إن إجمالي الأرز المتاح كان حوالي 400 ألف طن أبيض.. وكان
معدل الاستهلاك لا يزيد علي 100 ألف طن أي حوالي 30% من
إجمالي الإنتاج وكان يتم تصدير الباقي إلي الأسواق
التقليدية.
لكن أدت سياسة التحرير الاقتصادي إلي تحكم القطاع الخاص
ورجال الأعمال في الإنتاج والتصدير.. لدرجة أنه كان يتم
تصدير أكبر كميات من خلف ظهر الحكومة وهو ما أدي إلي حدوث
أزمات دائمة ومستمرة في الأرز حتي ارتفعت أسعاره.
كما أدت أزمة العيش إلي تحول المواطنين إلي استهلاك الأرز
حتي ارتفعت معدلات الاستهلاك من 30 كيلو جراما إلي 57 كيلو
جراما سنويا.
السكر .. والاستيراد وما يقال عن الأرز ينطبق علي السكر الذي يعد من السلع
الضرورية التي ترتبط بالاحتياجات اليومية للمستهلكين لدرجة
أن مصر تحولت من جراء سياسات الإصلاح من دولة منتجة ومصدرة
للسكر إلي دولة مستوردة؛ فقد أدت سياسات الحكومات المختلفة
وتخليها عن دعم الفلاحين وتحرير الدورة الزراعية إلي تراجع
إنتاج السكر مقابل ارتفاع معدلات الاستهلاك.. وخلال فترة
التسعينيات وحتي الآن اتسعت تلك الفجوة إلي 400 ألف طن،
لكن الطريف أن هذه الكميات بالمقارنة بحجم الإنتاج الذي
يصل إلي 7،1 مليون طن كانت سببا في حدوث أزمات داخل السوق
المصري احتكارات ورفع أسعار وتلاعبات في السوق المحلي،
وتراجع الإنتاج ليكفي 75% من حجم الاستهلاك.. في الوقت
الذي ارتفع فيه معدل الاستهلاك للفرد من 32 كيلو عام 96
إلي 36 كيلو خلال العام الماضي وهو من أعلي المعدلات في
العالم.