وأخيرا، وبعد صبر طويل وممتد، صبر امتدت حباله طويلا،
محاولا أن يمنح كل من أحاطوا به من أعضاء مجلس الحكم،
وعالم العلماء وصاحب الشرطة، وكبير المنادين، محاولا أن
يمنحهم جميعا أو حتي بعضا منهم بعضا من عقل، أو تعقل،
مؤملا أن يتخلص بعضهم من الهزل الذي يهزلون، والنفاق الذي
يتقنون، والذي به يقتاتون وعن طريقه يصعدون، يصعدون غير
مدركين أن صعودهم هو في حقيقته هبوط، وأن ما يتصورون أنه
تحكم في الحكم هو قبض ريح سرعان ما سيذهب، وأن ما يحسبونه
انتصارا هو هباء سيتبدد.
سئم جحا من الكذب والتكاذب، والفساد والإفساد، ومن تحدي
العقل ورفض المنطق، سئم الأفعال والأقوال والوجوه فقرر
الرحيل.
تسلل جحا فجرا، فما أن استيقظ البصاصون وأتباع صاحب الشرطة
حتي كان بعيد المنال، ولحق بقافلة علي الطريق، فسار معها
دون أن يسأل إلي أين، لملم أطراف عباءته البالية، وأحكم
عمامته التي أخفت بعضا من ملامحه، وفيما تجد القافلة في
السير داهمتها عصابة من لصوص، أحاطوا بالجميع، نهبوا كل
شيء أو كما يقولون نهبوا كل صامت وناطق.. أحاطوا بالجميع
وبعد أن جردوهم مما يمتلكون أدهشهم هذا الكهل ذو الثياب
البالية الذي كان اختطافه مع من اختطفوهم صفقة خاسرة، في
سوق النخاسة باعوا البنات والنساء والولدان والرجال أما هو
فلم يجد من يشتريه فما من أحد يريد شراء عجوز نحيل، يسأله
المشتري هل تجيد حرفة؟ فيجيب :كنت قاضيا فيسخط الجميع
مالنا ولهؤلاء الذين إن حكموا بالعدل أرسلونا جميعا إلي
السجن أو حتي إلي حبل المشنقة، فيقول جحا: أنا مفكر، فيسخط
الجميع، وما لنا ومن يفكر فإن أعمل الفكر اكتشف ما نحن
فيه، وما نفعل، وما نكذب وما ننافق وفضحنا، فقال جحا
محتجا: ألا تريدون رجلا عاقلا، فتضاحك كل من بالسوق
قائلين: إنما إعمال العقل هو مهنة من لامهنة له، ولما يئس
ويئسوا تركوه في قلب الصحراء ومضوا، فما من حاجة بهم إلي
صفقة خاسرة، وقال قائلهم: لا حاجة بنا إلي عقلك ولا منطقك
ولا حكمتك فدع كل ذلك يطعمك ويسقيك في هذه الصحراء
الجرداء، ذهبوا وبقي جحا وحيدا.. حزينا، لم يحزنه الجوع
والعطش ولا الإحساس بقرب الهلاك، وإنما أحزنه أنه وبعد طول
العمر قد اكتشف أنه بعقله وحكمته وتمسكه بالحق والعدل،
ورفضه للظلم والظالمين ليس سوي صفقة خاسرة عند هذه العصبة
من الناس.
وفيما هو يوشك علي الهلاك جوعا وعطشا توقفت حوله كوكبة من
الفرسان، أحاطوا به ليطعموه ويسقوه وبعد أن التقط أنفاسه
سألوه حكايته فروي لهم ما كان من أمره، وفراره من جحيم
الظلم، ليقع في جحيم الجهل، حكي كل ما كان دون أن يذكر
اسمه، وما أن انتهي حتي قال قائلهم: يا سيد جحا والله لقد
عرفناك دون أن تذكر اسمك، فقد وصلنا كثير مما فعلت ومما
قلت، ولقد كنا في شوق إلي لقائك لولا أننا أقسمنا ألا تطأ
أقدامنا أرض الظلم والنفاق والأكاذيب، فقال جحا: ولم؟
فأجاب قائلهم: ألا تعرف وأنت الحكيم الأريب أن الكذب يعدي،
وأن النفاق يغري بالتقليد، وأن الظلم يستدعي المماثلة؟،
فسأل جحا: ولم لا تحاولون فضحهم وفضح أساليبهم بالعقل
والمنطق؟.
فقال قائدهم: ألست أنت القائل من غير المنطقي أن تستخدم
المنطق لدحض أساليب وأفعال ومواقف غير منطقية؟ فقال جحا
معتذرا: والله لكأن بقائي مع من كنت معهم أنساني حتي ما
كنت أقاومهم به.
ثم إن جحا استدرك قائلا: ولكن من أنتم؟
فنظر الرجال إلي بعضهم البعض منتظرين قول أكثرهم حكمة،
الذي قال: يا عم جحا نحن من سكان أرض الحقيقة، ولطالما
سمعنا عنك، وأعجبنا بك، وبشجاعتك في مواجهة الظلم
والظالمين، وفي رفض النفاق والمنافقين، وفي تجردك من أية
مصلحة شخصية، ولكن اشتقنا أن نراك، وأن نستضيء بنور عقلك،
وضوء معارفك، وأن نستمتع بثاقب فكرك، ونستمع إلي صائب رأيك
فلم لا تأتي معنا تعيش معنا وتنفعنا بعلمك وعقلك؟ فعاد جحا
ليسأل: ولكن ما هي أرض الحقيقة هذه؟ فقال حكيم القوم: نحن
جماعة قررنا أن نرفض الزيف والكذب والنفاق والفساد والظلم،
وتعاهدنا ألا نقول إلا الحقيقة، الحقيقة كما هي دون تزويق
ودون نقصان.
فقال جحا: وهل استطعتم؟ فقالوا في صوت واحد: تعال معنا،
ساعدنا كي نستطيع أن نواصل.
ثم إن جحا نهض ليذهب معهم، وما أن وصل إلي أرض الحقيقة حتي
أدهشه ما فيها من رخاء وعمران وهدوء بال، لا كلمة نفاق
واحدة، لا كذب، لا تكاذب، لا تملق، إن أخطأ حاكمهم نصحوه
بشجاعة وحكمة، فإن أبي إلا التمسك بالخطأ، تكاثروا عليه
فعزلوه، وحتي صاحب الشرطة لا يملك أن يظلم أحدا فإن فعل
طردوه، وكبير المنادين ملتزم بأن ينادي رجاله في كل ما
يمتلكون من أدوات الإعلام بالحقيقة وحدها، وبالحقيقة
كاملة.
والأسواق عامرة والمكاييل مضبوطة، لا غش ولا سرقة ولا فساد
ولا نهب لأرزاق الناس ولا تلاعب بأقوات العباد، ثم إنهم
أجلسوه مجلس القضاء، فكان لا يكاد يفعل شيئا فما من جرائم
ولا مجرمين.
وذات يوم، تذكر ما كان من أيام مضت، وما كانت عليه أحوال
بلده، وما كان يعاني منه أهله وشعبه، وتأكد أن الأمور
عندهم لم تزل علي ما كانت عليه من سوء، بل تأكد أنها أصبحت
أسوأ، فهل يلد السيئ إلا ما هو أسوأ.
وكان يذهب إلي الأسواق يسأل عن أي قادم من بلده ليقابله
متخفيا حتي لا يكتشف أمره، سائلا عن الأحوال فلا يلقي إلا
إجابات ساخطة، وحديثا عن أفعال هابطة، فتأكد أن ذات عصبة
مجلس الحكم لم تزل تتحكم في كل أمر، لتفسد كل فعل، وأن
الهزل لم يزل يستبعد الجد، وحكوا له حكايات عن تلفيق في
القوانين، وعن أحكام أشبه بأحكام «قراقوش»، وعن حديث طويل
عن ديمقراطية لم تسفر إلا عن أوضاع أسوأ، وأقوال عن
الإصلاح فإذا بها تتمخض عن مزيد من الإفساد، وعن تصحيح
ينتهي دوما إلي مزيد من الأخطاء، وعن تداول للسلطة يدور
لينتهي به الأمر إلي ذات اليد وهي تحكم قبضتها علي ذات
السلطة والسلطان.
وفيما كان جحا يستمع إلي حد القادمين وهو يروي له قصة
أقاويل عن تعديلات وتغييرات وتصحيحات انتهت كلها إلي ما هو
أسوأ، وأكثر تحكما، فاهتز قلبه وحزنا علي بلده وعلي ما
تعاني منه، وعلي أهله وعلي ما يعانون فسالت دموعه وهو يقول
دون احتراز:
يا ويحهم مرضي إلي حد الضني
والداء ملء معالم الجثمان
والصيدلية قيد شبر منهمو
تعطي الدواء الناس بالمجان
فقال الرجل: وما الدواء بربك؟ فما أحوجنا إليه! فأجابه
جحا: أن يتحدوا ويعتمدوا علي أنفسهم، وأن يتخلصوا من
الخوف.. وينهضوا، وما أن ينهضوا حتي يختفي الجرذان.
فانتفض الرجل قائلا: والله لقد سمعت أقوالا كهذه من قبل،
وسمعت صوتا كهذا في بلدي، لكن الناس خذلوه وأنكروه، ثم
تأمله قائلا: يا شيخ إن قولك كقول رجل أعرفه، وحكمتك
كحكمته.. والله إنك أنت جحا، واحتضنه وراح يقبله ويقبل
يديه مناشدا إياه أن يعود إلي بلده فالناس بحاجة إليه، إلا
أن جحا ناشده أن يكتم سره، وطلب إليه أن يحمل عنه بعض
الرسائل.
فقال الرجل: وما جدوي الكلمات؟
فقال جحا: هي كلمات إن كانت اليوم في واد
فغدا تصبح ريحا تقتلع الأوتاد
ثم إن جحا استأذن أهل الحكم في أن يرسل رسائله مع الرجل
فوافقوا شريطة ألا يقول فيها إلا الحقيقة.
وسريعا أعد جحا عديدا من الرسائل وتعاهد مع الرجل أن تصل
إلي أصحابها، فعاهده الرجل، وأوفي بعهده.
وفيما السلطان في بلدة جحا يجلس في مجلس حكمه أتي صاحب
البريد برسائل عدة فأمر بها السلطان أن تقرأ.. وبدأ الحاجب
في القراءة بصوت مسموع.
رسالة إلي مجلس الحكم:
ذئاب تسوس الأسد شر سياسة
ماساس أسدا قبل ذاك ذئاب
.. إلي القدامي الذين طال أمدهم في مجلس الحكم:
حتي العجين إن بقي طويلا زاد اختماره ففسد الخبز الذي يصنع
منه، ولقد سمعت أن البلاد الأوربواية تصنع أوعية من مادة
تسمي «تيفال» لا يلتصق بها الطعام عند طهيه، فاصنعوا
لأنفسكم مقاعد من «التيفال» حتي لا تلتصقوا بما تجلسون
عليه من كراسي الحكم التي طال جلوسكم عليها، بما أفسدكم
وأفسدها .
.. إلي الجدد الذين يقولون بالإصلاح فيفسدون، وبالحرية
فيزيدون الظلم ظلما.
تقولون أحرارا لنمدحكم
لا حر فيكم كلكم كذبا
إلي عالم العلماء الذي ظهر فجأة مدعيا أنه يعرف كل شيء، في
كل علم، ويفتي في الاقتصاد والسياسة والعلوم ويدعي القدرة
علي إصلاح كل شيء..
فكم عالم قالوا له أنت جاهل
وكم جاهل قالوا له أنت عالم
.. إلي المحيطين والمتملقين والمدعين الذين ينعمون بالجهل
ويصعدون بالنفاق..
ويا لهفي كم يقتل العقل نابغا
وكم عاش بالجهل الهني جهول
وفيما كان السلطان يستمع ضاحكا وشامتا فيمن حوله من أهل
الحكم، دخل صاحب الشرطة غاضبا ساخطا وفي يده رسالة وصلته،
لتقول له هو ورجاله:
أفلا يزال الظلم يعجبكم
ضرب ومضروب ومن ضربا؟
لكن وجه السلطان ما لبث أن امتقع عندما اندفع إلي مجلسه
كبير المنادين حاملا نسخة من رسالة بخط جحا يجري توزيع
عديد منها في الأسواق.. يتداولها الناس وينسخونها
ويوزعونها بجرأة غير معهودة..
والرسالة تقول:
صحا كل شعب فاسترد حقوقه
فمتي يا مصر يصحو شعبك المتناوم
وفيما يتململ السلطان قلقا سقطت رسالة كانت قد دست سرا في
مقعد السلطان.. التقطها وقرأها وزاد وجهه اصفرارا، أخفي
الرسالة في جيبه وأمر ساخطا بفض المجلس وانصرف غاضبا،
ويقول أحدهم إنه اطلع علي الرسالة وكان عليها توقيع جحا..
وتقول:
وعما قريب ينتهي الأمر كله
فما أول إلا ويتلوه آخر
مع تحيات جحا