سنوات العشق الجميل: عاطف العراقي - ابن رشد - التنوير
(3)
.00ونواصل رحلتنا الممتعة مع د0 عاطف العراقي في كتابه
الممتع «الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية- أربعون
عاما من ذكرياتي مع فكره التنويري»0
وفيما نحن لم نزل في الدراسة التمهيدية التي صدر بها
كتابه، وفيما هو يلح علينا أن نستخدم - أو نحاول- العقل،
والنظر الانتقادي، يعود ليلح علينا مؤكداً أهمية دراسة فكر
ابن رشد، ويبرر إلحاحه هذا قائلا «وواجب علينا الاستفادة
من دعوة ابن رشد وخاصة بعد انتشار الدعوات الظلامية
والرجعية وانتشار الجهل واللامعقول بيننا0 إنه من المنطقي
أن نطلب من المتأخر أن يسعي بكل قوته لكي يلحق بالمتقدم،
ومن غير المنطقي أن نطلب من المتقدم أن يقف في مكانه ثابتا
حتي يلحق به المتأخر» ويقول «دعانا ابن رشد إلي أن نلجأ
إلي التأويل العقلي، وقال إن كل ظاهر من النص إنما يقبل
التأويل، وإن هذا الرأي يجب أن يتمسك به كل مؤمن وكل عاقل
»(ص16)0
والحقيقة أننا نواجه اليوم ومن زمان طويل مشكلة «تأويل
النص» ذلك أن بعضا من الجامدين الذين يسميهم د0 العراقي
بالمتخلفين يقفون غائبين عن الوعي إزاء التقدم العلمي
المبهر الذي يجتاز كل حدود تصوراتنا المحدودة بالالتصاق
بالماضي وبما كان في الماضي، وبالسلف وبما قاله السلف،
وبالفهم الجامد للنص، ولا مخرج من غياب الوعي بالحاضر ومن
عجز التطلع للمستقبل إلا بالتخلص من النقل عن الماضي وعن
السلف، ثم إعمال العقل ليس فقط في فهم الحاضر والتطلع
للمستقبل وإنما السعي العقلاني لتأويل النص كي يمكنه أن
يتصالح مع معطيات الحاضر ومنجزات التقدم العلمي المبهر0
ونعود لما يقول المؤلف «أقام ابن رشد دراسته لمشكلة
المعرفة علي أساس العقل، وبين لنا أن التمييز بين الخير
والشر إنما يقوم علي العقل وحده، ودرس ابن رشد مشكلة حرية
الإرادة علي أساس برهاني عقلاني، ولم يؤسس رأيه علي أساس
خطابي إنشائي» (ص16)0
ويدعونا د0 عاطف إلي الانفتاح الثقافي قائلا «لقد سخرنا من
ابن رشد حين أخذنا نتحدث عن قضايا وهمية زائفة كقضية الغزو
الثقافي، والهجوم علي الحضارة الأوربية0 نعم سخرنا وأهملنا
فيلسوفنا ابن رشد الذي فتح الطريق أمام الفكر العلمي
العقلاني الذي نحن في أمس الحاجة إليه الآن، أهملنا دعوته
حتي وصلنا نحن العرب إلي حالة يرثي لها0 ولن نفيق من تلك
الحالة أو هذا المصير إلا بأن نقوم بدك أرض التقليد
والظلام دكا» ويمضي العراقي محذراً بل ومنذراً «لن نسلك
طريق الصواب إلا إذا اعتقدنا بأن الخير كل الخير هو النظرة
المتفتحة التي تقوم علي تقديس العقل بحيث نجعله معياراً
وأساساً لحياتنا الفكرية والاجتماعية، وحتي يصبح عالمنا
العربي مستعدا للدخول في القرن الحادي والعشرين» (ص16)0
نعم00 فنحن لم ندخل القرن الحادي والعشرين بعد ولا حتي
نهايات القرن العشرين، فلم نزل نحن العرب في حالة إغماء
حضاري ولن نكون مستعدين كي نحاول أن نتخلص من هذا الإغماء
وننهض لنحاول اللحاق بركب التقدم الحضاري إلا بالالتزام
بما أكده د0 العراقي نقلا عن ابن رشد00 وهو «تقديس العقل
بحيث نجعله معيارا وأساسا لحياتنا الفكرية والاجتماعية»0
ويمضي د0 العراقي مؤكدا «نعم علينا في حياتنا المعاصرة
الاستفادة من دعوة ابن رشد النقدية العلمية الفلسفية، لقد
دعانا إليها وكأنه كان يكتشف ما سيحدث بعده بعدة قرون،
كأنه كان يتوقع ما سيجيء عند إناس من أشباه المثقفين ومن
المتخلفين عقليا حين يهاجمون العلم»0
لكن العراقي يحذرنا من تقديس النص الذي تركه لنا ابن رشد
بل يجب أن نسعي نحوه متحلين بالروح العقلية0 والروح
التنويرية والرؤية النقدية0 «فقد ترك لنا ابن رشد وديعة أو
ذخيرة00 وواجبنا الاستفادة منها، ولكن بإضفاء العديد من
التأويلات والظلال والألوان حولها» ذلك «أن القضايا الآن
ليس من الضروري أن تكون كقضايا الماضي، وبعض القضايا لها
دلالات مستحدثة قد تختلف في قليل أو كثير عن دلالتها في
الماضي القريب أو الماضي البعيد» (ص17)0 أي أنه يجب
التعامل مع كتابات ابن رشد وأفكاره علي أساس عقلاني، وليس
علي أساس النقل وتقديس النص00 وإنما تأويله تأويلا عقلانيا
يستند إلي معطيات الحاضر0
والحل هو أن نخوض معركة الاستنارة00 والتنوير والانفتاح
علي كل ثقافات البشر كي نستطيع التقدم0 فلا إبداع بلا
تنوير00 ونخلص من الرؤية الظلامية0 ومن هنا يؤكد د0
العراقي «فمن عوامل عرقلة الإبداع: الخلط بين الدين
والسياسة، ومن عوامل عرقلة الإبداع إننا مازلنا ننظر إلي
التنوير علي أنه رجس من عمل الشيطان (ص19)00 ثم يصرخ
العراقي «لابد من رؤية تنويرية رؤية تلتفت في غضب إلي
الماضي ونقول له : وداعاً، إذ إن العصر غير العصر، ومطالب
اليوم غير مطالب الأمس، رؤية تقتلع جذور الظلام اقتلاعاً»
(ص21)0
ولا نملك إلا أن نقول : سمعا وطاعة يا أستاذنا00 لكن القول
وحده لا يكفي0