ضغوط أمريكية علي العرب لتقديم مظلة لإخراجها من المستنقع العراقي
أحمد سيد حسن
تعرضت القمة العربية الاستثنائية التي كان من المقرر
عقدها في مدينة شرم الشيخ الأسبوع الماضي إلي ظروف طارئة
أدت إلي تأجيلها، بسبب وفاة الملك فهد ودخول المملكة
العربية السعودية في إجراءات نقل الحكم التي تمت وفقا لما
هو محدد سلفا عبر تولي الملك عبدالله الحكم.
وامتدت الظروف الطارئة إلي السودان بوفاة النائب الأول
لرئيس الجمهورية جون جارانج في حادث طيران مأساوي أدخل
السودان في دائرة الاضطرابات التي وقع بسببها مئات القتلي
والمصابين بالإضافة إلي تدمير كبير في الخرطوم وعاصمة
الجنوب مدينة جوبا.
وعلي الرغم من انتقال قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان
التي أصبحت شريكا في الحكم إعمالا لاتفاق 9 يناير للسلام
إلي «سلفا كير» نائب جارانج والذي تولي مسئولياته، إلا أن
أحوال السودان أصبحت في دائرة الخطر والاضطرابات، وعودة
سيناريو الحرب الأهلية من جديد في ظل التصريح الغامض لرئيس
أوغندا يوري موسيفيني والذي قال فيه «إن موت جارانج قد لا
يكون حادثا عارضا»!.
وإذا كان التحقيق الدولي قد بدأ لفحص ملابسات الحادث
المأساوي، فإن السودان يحتاج إلي أكثر من الحكمة وهدوء
الأعصاب لاستئناف مسيرة السلام بين الشمال والجنوب، وإلي
اقتناع «سالفا كير» بأن يشغل قصر الرئاسة في الخرطوم الذي
تنازل عنه نائب الرئيس علي عثمان طه لجارانج، ولم يتمكن من
أن يسكن فيه ليلة واحدة بعد أن اختار له القدر أو الغدر
الموت في الغابة حيث ولد وحيث حارب وارتبط بأطول حرب أهلية
وقتال في القارة الأفريقية.
انقلاب موريتاني الانتقال الهاديء للسلطة في السعودية مع تحدي مواجهة
الإرهاب في المملكة، إلي الرحيل الغامض لجارانج ومصير
السلام في السودان المهدد، شهد العالم العربي انقلابا
عسكريا جديدا بعد سنوات طويلة لم ير انقلابا عسكريا.
في موريتانيا التي تقع جغرافيا في أقصي غرب العالم العربي
مطلة علي المحيط الهادي، والتي شهدت منذ الانقلاب الذي
أوصل الرئيس المخلوع معاوية ولد طايع إلي الحكم عام 81،
ثلاث محاولات انقلابية علي الأقل فشلت كلها كما فاز معاوية
في انتخابات رئاسة متعددة وسط شكوك واتهامات أحزاب
المعارضة بالتزوير، حتي أنه تم حبس الرئيس الأسبق وكان
مرشحا في آخر انتخابات رئاسية أمام ولد طايع.
وأظهرت ردود الفعل ترحيبا من الأحزاب السياسية بالانقلاب
وبقادته بعد الاجتماع الموسع يوم السبت الماضي بين
الجانبين، وأبدي خلاله قادة الانقلاب تعهدا باستعادة
الحريات السياسية بالكامل خلال عامين فترة انتقالية لإعادة
ترتيب الأوضاع.
وقد تطول الفترة إلي أكثر من عامين، كما هي العادة في
العالم العربي، وقد يلتزم القادة بتعهداتهم وتشهد
موريتانيا حريات سياسية حقيقية، وقد ينجح معاوية في تدبير
انقلاب يعيده إلي الحكم من منفاه في موريتانيا، أو يحدث
انقلابا جديدا، وكلها سيناريوهات قابلة للتحقيق في ظل عدم
الاستقرار هناك.
السفارة في الإمارة إنها حالة أخري علي كل حال تستحق التعجب في العالم
العربي حيث تقيم إسرائيل علاقات وصلات مع موريتانيا
والمغرب ويصافح رئيسها رئيس الجزائر، وتقيم مكاتب وبعثات
في إمارات ودول خليجية لأسباب تجارية وسياسية!.
لماذا القمة ؟ في وسط هذه الأجواء عاد الحديث مجددا عن عقد القمة
العربية الاستثنائية في شرم الشيخ أيضا، وهناك اقتراحات
بمواعيد تتراوح ما بين اليوم وصولا إلي الأربعاء القادم.
وجدول الأعمال لم يتغير رغم تغير الظروف والأوضاع العربية،
حيث يتضمن 3 قضايا رئيسية:
الإرهاب و العراق وفلسطين وبالنسبة للملف الأول الخاص بالإرهاب فهو ليس ملفا
جديدا علي العالم العربي حيث الإرهاب المحلي وفقا لظروف كل
بلد موجود منتعشا أو كامنا، والساحة المشتعلة حاليا هي
الساحة المصرية، فيما الساحة السعودية تشهد بعض الهدوء
الحذر في أعقاب إلقاء القبض علي شبكة كبيرة، كما هدأت
الأوضاع في الكويت نسبيا عبر تفكيك شبكات جمع الأموال
والقبض علي عدد آخر من المتطرفين.
وفي الجزائر فإن الأوضاع الأمنية هدأت كثيرا، وإن حقق
المتطرفون انتصارات بالسيطرة علي مناطق وولايات بعيدة عن
العاصمة في إشارة إلي عدم حسم الأوضاع نهائيا.
7/7 البريطانية وتسببت تفجيرات لندن في 7/7 وتوابعها بعد ذلك في إعادة
طرح ملف الإرهاب المرتبط بالجماعات الإسلامية علي الساحة
الدولية من جديد والتفكير في اتخاذ إجراءات ضد الدول
العربية تخص حرية السفر والتنقل وتطالب باتخاذ إجراءات
أمنية مشتركة واتفاقيات سواء في إطار ثنائي أو في إطار
اتفاقية دولية.
ويجري حاليا التحضير للمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب وجدول
أعماله هذه المرة يشمل «طلبات» علي الدول العربية تنفيذها
لمكافحة الإرهاب باتخاذ خطوات حقيقية وفعالة للإصلاح
وتطوير نظم التعليم والتربية الدينية وغيرها، مع استعداد
أوروبا للتجاوب مع طلبات عربية بإبعاد المتطرفين من
أراضيها وعدم إعطائهم حق اللجوء السياسي وهو ما تطبقه
إنجلترا الآن، رغم أنها رفضت الطلبات المصرية بهذا الخصوص
منذ سنوات حين أصبحت لندن قائدة إعلامية وتعبوية ومالية
للجماعات المتطرفة ومعظمهم هاربون من مصر.
المؤتمر الدولي لمواجهة الإرهاب قد يتحول إلي محاكمة
للثقافة وللنظم العربية والإسلامية وإلي تقديم لائحة من
المطالب، والعالم العربي بدوره يستعد لتقديم نفس اللائحة
المضادة التي تشمل اتهامات للولايات المتحدة وبريطانيا
بالذات بمسئوليتهما المشتركة عن الإرهاب وتناميه والخلط
المتعمد الذي نجحت إسرائيل في تعميمه في العالم بين
الإرهاب والمقاومة المسلحة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال.
من ينقذ من؟ في ظل هذه الأوضاع الملتبسة لقضية الإرهاب، من المفترض
أن يناقش القادة العرب هذه القضية ويضعوا تصورا لكيفية
التصرف.فمن ناحية يبدو العالم العربي ضحية للعمليات
الإرهابية، ومن الجانب الأوروبي الأمريكي والغربي عموما
يبدو العالم العربي منتجا للإرهاب سواء بالأفكار أو
بالتنفيذ الفعلي.
والعالم العربي يري أن السياسة غير العادلة والكيل
بمكيالين وحماية إسرائيل والفقر وقواعد التجارة غير
العادلة والعديد من القيود التي يفرضها الغرب عبر مؤسساته
الدولية، هي السبب في الإرهاب وفي تحول المقاومة الوطنية
في بعض الأوقات يأسا أو انتقاما لاستهداف المدنيين، علي
أساس أنهم جزء من نظام استعماري، وهو وسيلة ضغط وليست موتا
مجانيا.
مستنقع العراق وهذا ينقلنا إلي الوضع في العراق حيث تسوء الأوضاع
يوما عن الآخر وعمليات القتل تتزايد ووصلت أرقام القتلي
العراقيين المدنيين إلي قرابة 35 ألفا بعد انتهاء الحرب
التي لم تستمر سوي أيام محدودة.
وفشلت حتي الآن الجهود والخطط الأمريكية للسيطرة علي
الأوضاع، وكذلك جهود الحكومة العراقية لإشراك الجميع في
صيغة سياسية تسمح باستعادة الهدوء والسلام والأمن.
وهناك سيناريوهات أخري تطلب من الدول العربية التقدم
لمساعدة العراق عبر إرسال قوات عربية وتقديم غطاء سياسي
بإرسال سفراء وبعثات دبلوماسية، وهو حل مرفوض عربيا بعد
اغتيال رئيسي بعثتي مصر والجزائر في العراق، وانشغال الدول
العربية بهمومها ومشاكلها الداخلية وعجزها في حل مشكلة
العراق خاصة أن الذي دمره وهي الولايات المتحدة عليها
مسئولية مباشرة لإعادة الأمن والاستقرار إليه.
ومرة أخري يدخل العرب والولايات المتحدة في خلاف مثل
الخلاف الحاصل فيما يتعلق بقضية الإرهاب وتحديد من هو
المسئول عنه.
الولايات المتحدة تريد دورا عربيا أو بالأحري غطاء عربيا
يساعدها للخلاص من الورطة التي وجدت نفسها فيها ولا تعرف
طريق الخلاص، والحل الذي نريده دور عربي يساعد نظاما ترضي
عنه الولايات المتحدة، يضمن عدم عودة البعث والأهم
الحيلولة دون تحقق هزيمة الولايات المتحدة وحلفائها في
العراق.
مأزق العراق القمة العربية أمام مأزق العراق الكبير، فأوضاعه تزداد
تدهورا، والمطلوب دور عربي، والدور العربي يكاد يكون
مستحيلا وأقصي ما يمكن تقديمه محاولة تأمين الحدود
المشتركة، تدريب قوات شرطة وجيش، فتح الجامعة العربية
للمشاركة في المؤتمرات و«المكلمات» وإلغاء الخطب، أما
المساعدة في استعادة الأمن والاستقرار فذلك بعيد عن قدرة
العالم العربي وبالتالي فالرسالة هي إعادة الكرة للولايات
المتحدة التي فجرت ودمرت العراق وعليها مسئولية مواجهة
أخطائها الكارثية.
الانسحاب من غزة الملف الفلسطيني يبدو أسهل الملفات فما هو مطلوب من
العالم العربي هو الاستمرار في تقديم الدعم المالي للسلطة
الفلسطينية والغطاء السياسي ولا مشاكل في ذلك، ولكن
القائمة لا تتوقف عند ذلك فهناك مطالب أخري بتطوير
العلاقات مع إسرائيل للمضي نحو تطبيق خريطة الطريق بمظلة
عربية.
ولابد أن سقوط نظام ولد طايع يمثل رسالة هامة ذات مغزي في
هذا الإطار، وتفجيرات طابا وشرم الشيخ لها ذات المغزي، وقد
دخلت مصر مفاوضات استمرت أكثر من عام لنشر 750 جنديا علي
خط فيلادلفيا الحدودي بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية.
وقد مات الملك فهد صاحب مبادرة السلام الشهيرة، صحيح أن
القمة العربية في بيروت تبنت المبادرة وأصبحت مبادرة عربية
إلا أن هذه الخطة ماتت، وأصبح المعروض عمليا علي الساحة
مبادرة شارون للانسحاب من طرف واحد.
والمطلوب أيضا في العالم العربي دفع فاتورة لانسحاب
إسرائيل من غزة، بتقديم هدية لإسرائيل لتحفيزها - كما يقال
- علي القيام بانسحاب آخر من الضفة وهو يبدو صعب المنال
بعد أن تم تدعيم الاستيطان هناك، أما القدس فقد ضاعت
عمليا.
ماذا يفعل العرب؟ في ظل هذه الظروف يبدو العالم العربي في أسوأ أوضاعه،
فأخطر ثلاث قضايا تواجهه لا يمسك بأطرافها، ويبدو عاجزا عن
التأثير فيها بشكل يضمن مصالحه، والمعروض عليه تقديم غطاء
للأزمة الأمريكية في العراق، ودفع ثمن لانسحاب إسرائيل من
غزة وللعودة إلي مائدة المفاوضات تحت إغراء خارطة الطريق.
أما ملف الإرهاب فالعالم العربي أصبح متهما برعاية الإرهاب
وتوفير الظروف الملائمة له، أكثر من كونه ضحية للإرهاب،
ولن تنجح المظاهرة الإعلامية في شرم الشيخ بإقناع العالم
بأننا ضحية للإرهاب، وأن السياسة الأمريكية والإسرائيلية
هي سبب هذا الإرهاب!.
هل تنجح القمة في تعديل السياسات العربية، وإمساك العرب
بزمام قضاياهم؟!.. لننتظر ولنري!.