ابتعدت كل التحليلات التي أدلي بها خبراء الأمن
والسياسة والاجتماع لوسائل الإعلام عقب حادث شرم الشيخ
الإرهابي عن البحث عن المنابع الحقيقية للإرهاب، وتؤكد
مصادر «الأهالي» بأن القضاء علي أسباب الإرهاب يتطلب
مواجهة الفقر والفساد وخلق الثقة بين الدولة والمواطن
وإعادة تشكيل عقول الشباب التي دمرتها الأفكار المتطرفة،
بالإضافة إلي تدريب الكوادر الأمنية علي مواجهة هذا الخطر
داخليا وخارجيا. كيف نجفف منابع الإرهاب؟
الإجابة في هذا التحقيق..
يؤكد د. يونان لبيب رزق المؤرخ المعروف أن مسئولية مواجهة
الإرهاب لا تقتصر فقط علي الحكومة والأمن بل تتطلب تحالف
كل القوي السياسية للوصول إلي حلول قبل أن يدمر هذا الخطر
ما تبقي.
ويشير د. يونان لبيب رزق إلي أنه من الضروري قبل هذا
التحالف والتنسيق أن تكون هناك ثقة موضحا أن هذه الثقة لن
تتحقق إلا عن طريق الديمقراطية الحقيقية والاستجابة لمطالب
هذه القوي التي تنادي كما نعلم بإلغاء حالة الطواريء وفك
الحصار عن الأحزاب من أجل تسهيل مهمة الالتحام مع الشعب
والجماهير وتوعيتهم بالمخاطر حيث إن المواطن سوف يقتنع
بهذه التوعية إذا جاءته من أكثر من مكان وعدم وجود خطاب
واحد موجه ومفروض ثم عليه أن يختار.
ومن المطالب التي تنادي بها القوي السياسية أيضا والتي يجب
تنفيذها حتي تكون هناك ثقة هي عدم احتكار الحكومة لوسائل
الإعلام وكذلك الإفراج عن المعتقلين والإشراف القضائي
الكامل علي الانتخابات والابتعاد عن كل أشكال التزوير من
أجل إصلاح القاعدة السياسية من محليات وبرلمان لأن هذه
القاعدة السليمة سوف تكون هي الأساس لمواجهة أي خطر لأنها
جاءت بعيدة عن التزوير والتلاعب وبإرادة الجماهير.
ويؤكد د. يونان أن الأرض الخفية للإرهاب هي تلك الأرض التي
لا يوجد بها ديمقراطية وتعتمد علي قمع شعوبها.
لا للطواريء اللواء فؤاد علام، مساعد وزير الداخلية الأسبق، قال إن
القضاء علي الإرهاب يتطلب إلغاء حالة الطواريء والبحث عن
قانون جديد يختص فقط لمحاربة الإرهاب.
وقال علام إنه طالب وزير الداخلية أكثر من مرة بذلك المطلب
مؤكدا أنه ثبت أن قانون الطواريء لم يقض علي الإرهاب بدليل
حدوث عمليات إرهابية متفرقة خاصة في الفترة الأخيرة ويتوقع
اللواء علام حدوث ذلك في الفترة المقبلة لأن حادث شرم
الشيخ وضع الأجهزة الأمنية في مأزق خطير وأحرجها أمام
الشعب لأن العملية وقعت داخل مدينة يفترض أنها من أكبر
المدن المحصنة أمنيا حيث إنها منتجع السلطة السياسية في
مصر.
وطالب علام أيضا ببحث السبل التي تخلق مساحة من الثقة بين
المواطن ورجل الأمن وذلك من خلال تدريب رجال الأمن علي طرق
التعامل مع المواطنين في كل الأوقات وعدم استخدام العنف
لأن ذلك يخلق نوعا من الحقد والخوف يتولد عنهما الإرهاب
أيضا.
وأكد مساعد وزير الداخلية الأسبق بأن قانون الإرهاب وخلق
الثقة مع المواطن هو الطريق لمواجهة الإرهاب بجانب - طبعا
- مزيد من الحريات العامة وحل المشاكل الداخلية التي تفرز
الإرهاب مثل البطالة هذا بخلاف تدريب الكوادر الأمنية جيدا
حتي تستطيع مواجهة الإرهاب في الداخل والخارج أيضا.
منابع الإرهاب وقال د.وحيد عبدالمجيد، نائب رئيس مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالأهرام، أن الإجراءات والخطط الأمنية التي
تتخذها وزارة الداخلية لمكافحة ظاهرة الإرهاب لا تمثل أكثر
من عوامل مساعدة لما ينبغي القيام به لمواجهة هذه الظاهرة
وهو العمل الفكري والثقافي وذلك لأن الإرهاب بدأ أساسا في
العقل والفكر قبل أن يذهب إلي العنف والقتل، لذلك يجب
التفريق بين سبل مواجهة الإرهاب ومواجهة أشكال الجريمة
الأخري بمختلف أنواعها وعدم حصر طرق مواجهته في النواحي
الأمنية وهي النواحي التي لا تتناسب مع حجم الظاهرة
وتطورها.
لذلك يري أن المواجهة الحقيقة يجب أن تبدأ من نظام التعليم
والمؤسسات الدينية ومختلف مؤسسات الدولة التي تساهم في
التنشئة الاجتماعية والسياسية، لأن جذور الإرهاب بدأت
إرهاصاتها الأولي في وقت مبكر من ثلاثينيات القرن الماضي
علي يد أبوالأعلي المودودي، ثم انتقلت إلي العالم العربي
عن طريق سيد قطب في الستينيات، حيث بدأ الاتجاه نحو
التكفير وتكونت جماعات بنت لنفسها استراتيجية تقوم علي
العنف وكراهية الآخرين، من هنا نجد أن كل أعمال العنف
والكراهية التي تحدث تتم عن طريق التلاعب بعقول وأفكار بعض
الشباب وإيهامهم باللجوء إلي العنف تحت دعاوي القضاء علي
التهديدات التي تحيط بالبلاد العربية والإسلامية، كما أن
المؤسسات التعليمية والدينية لها دور كبير في التأثير علي
عقول الشباب، ويجب أن نفرق ما بين معالجة الميكروب الأساسي
المسبب للمرض وبين إعطاء المسكنات التي لا تفيد ولا تنفع.
وأشار أيضا إلي وجود علاقة بين ما يحدث علي صعيد الأوضاع
في فلسطين والعراق والانتهاكات التي تتم من قبل قوات الأمن
في مصر ضد المواطنين مثلما يحدث في العريش وبعض المدن
المصرية الأخري وبين انتشار ظاهرة الإرهاب حيث إن كل هذه
العوامل دائما ما تؤدي إلي تنامي روح العداء والكراهية عند
البعض بسبب حالة الاحتقان التي تنتشر في دوائر بعينها ثم
تؤدي بعد ذلك إلي التجنيد ثم العبث بالعقول، لكن مع ذلك
فبدون هذه العوامل كانت ستوجد أيضا ظاهرة الإرهاب لكن
بمعدلات أقل مما هي عليه الآن وذلك نظرا لانتشار الأفكار
القائمة علي فكرة إعادة تأويل النصوص الدينية بما يخدم
أهداف جماعات معينة.
مشاكل الإرهاب وقال «د. ميلاد حنا» إن مشاكل الإرهاب الحديثة أصبحت أمرا
أمنيا في غاية الخطورة ولن تستطيع دولة واحدة بمفردها أن
تقضي عليه مهما أوتيت من إمكانات وقدرات لكن الأمر لا يعد
أمنيا فحسب، ذلك لأن نقطة بدايته ثقافية بحتة وأن الشخص
الذي يعمل في سرية تامة- يعتبر شخصا غير عادي تكونت لديه
عقيدة وتوهم بأن ما يفعله سوف يدخله الجنة، من هنا فنقطة
البداية ثقافية بحتة بينما نقطة النهاية لدي الإرهاب يدخل
فيها الجانب الأمني، ذلك لأن هناك أعمالا إرهابية تتم كل
يوم.
وأضاف أن التقديرات التي قدرتها بعض الجهات حول الخسائر
التي ستلحق بالاقتصاد المصري والتي ستبلغ 2 مليار دولار
يجب أن يثير لدينا نقطة في غاية الأهمية، فالإنفاق علي
أجهزة الأمن أمر واجب ومعقول لكن بشرط ألا يؤثر هذا
الإنفاق ويضع قيودا علي المثقفين الذين يواجهون الإرهاب
بأقلامهم وأفكارهم، وتساءل عما تفعله دولة مثل إسرائيل حيث
تري أن الحوادث الإرهابية بها ليست بالضخامة التي تحدث في
البلاد الأخري علي الرغم من تعدد المنظمات الفلسطينية التي
تناضل لإخراج العدو الإسرائيلي من أراضيها.
وبالرغم من تعدد الوسائل المتاحة لدي أجهزة الاستخبارات
والأمن في مواجهة ظاهرة الإرهاب إلا أن ميلاد حنا يري أن
الحل الأمثل لهذه الظاهرة لن يكون سوي بالتعاون المحلي
والدولي مع مختلف الطوائف من المثقفين والمواطنين العاديين
وذلك لأن الإرهاب لم يعد مقصورا علي جماعة القاعدة فهناك
العشرات من الجماعات والمنظمات الإرهابية التي تنشط عندما
تجد الظروف مواتية لذلك.
الفقر والفساد د. هدي زكريا، أستاذ العلوم السياسية، قالت إن تجفيف منابع
الإرهاب لن تتم إلا عن طريق القضاء علي الفقر خاصة أن مصر
قد شهدت عمليات انتحارية في الفترة الأخيرة لعب فيها الفقر
دورا كبيرا خاصة ما حدث في عزبة عثمان بشبرا الخيمة!!.
وذكرت د. هدي زكريا بأن الكبت الذي يعاني منه غالبية الشعب
المصري هو منبع خطير للإرهاب الداخلي فمثلا منع الشباب من
ممارسة العمل السياسي داخل الجامعة يجعلهم بعيدين عن
الحياة السياسية الأمر الذي يخلق لديهم عدم الوعي فيصبحون
فريسة سهلة في يد جماعات متطرفة ينساقون إلي هذه الأفكار
دون مناقشة ويصبحون الفحم الذي يتم تشكيله واستخدامه في
أغراض غير شرعية.
وطالبت د. هدي زكريا بضرورة وجود دور واع للإعلام في
مناقشة قضايا الناس مؤكدة أن معظم البرامج والأعمال
التليفزيونية لا تعبر بصدق عن قضايا الناس خاصة قضايا
الفقر والبطالة ولا تقوم بدورها في نقل هموم المواطن
للمسئولين الأمر الذي يخلق عدم الثقة وبالتالي الكراهية
والحقد علي المجتمع والبحث عن سبل للقضاء علي المتسببين في
ذلك وللأسف يجدون خفافيش الظلام التي تقودهم إلي ذلك
الطريق الإرهابي.
وتشير د. هدي زكري إلي أن مواجهة الشعب بالحقائق وعدم
الكذب عليهم وإتاحة الفرصة لهم بالمشاركة وخلق تكافؤ الفرص
هو الحل الوحيد لإنقاذ المجتمع من الإرهاب والفساد والخطر
الذي يهدد هذا البلد الأمين.